أخبارأعمدة ومقالات

ماذا نقول للبرهان؟

رباح الصادق

وليبق ما بيننا

ماذا نقول للبرهان؟

رباح الصادق

(1)

بيان السادسة مساء أمس الذي أذاعه البرهان، خلق حالة جديدة بالرغم من أن محتواه ليس جديداً. لأنه انما يكرر حديثه، بصيغة جديدة، ان الأزمة في المدنيين الذين يتناحرون ولا يتفقون.

لكن تكرار (حالة البيان الهام) ذاتها، وما تضمنته من إضمار (انقلاب جديد) حتى قال البعض  إنه انقلب على نفسه، كما ذهب كثيرون إلى انه انقلب على حلفائه (أهل جوبا)، هذه الانقلابية حربائية الطبع هي دليل ساطع على أن الحرباء قد غادرت ميدانها الحربي وتريد أن تضع قدمها في لجة السياسة، وفي حد ذاته، هو اعتراف ضمني بفشل الانقلاب، ونيشان جديد على صدر الثورة وشبابها الوثاب أن صمودهم جرد الجنرال من ملابسه، وجعله يبحث عن إزار جديد..

فالتهنئة لأبطال الثورة، وبرغم مرارة الدم المراق وغصة الخميس التي لا تزال دموعها تهمي، إلا أن حالة الجنرال الراهنة تجعلنا نرفع علامة النصر ونؤكد أن هذا الجيل وهذه الثورة منصورة بإذن الله و(ما دام انتو اولادنا.. ننوم قفا).

(2)

صحيح أن في البيان ما يبدو أنه استجابة لبعض أهم مطالب الثورة؛ (العسكر للثكنات).

إذ يشي البيان بخروج المكون العسكري من الحكم نهائياً، ومشاركته في إدارة شؤون الأمن والدفاع في مجلس مخصص لذلك. وهو ما سبق وقدمته قوى الحرية والتغيير في رؤيتها للآلية الثلاثية في فبراير الماضي.

وإن كان لمثل هذا الخروج سفراً ينبغي تلاوة نصوصه كلها، واستيفائها. ومنها أن مجلس الأمن والدفاع ينبغي أن يترأسه المدنيون، كما في مقولة رجل الدولة الفرنسى «جورج كليمنصو»: «الحرب أخطر من أن تُترك للجنرالات». وثاني آيات سفر الخروج إزالة قبضة العسكريين الحديدية على الاقتصاد. لقد كشف تقرير صادر عن مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة بواشنطن مؤخراً كيف سيطرت الدولة العميقة (بشقيها الجيش والدعم السريع) على الاقتصاد السوداني، لتجعل أي حكومة مدنية منزوعة الريش ترتعش في عراء العجز والمسغبة، بينما يسيطرون على بنك يساوي 52% من رؤوس الأموال (بنك امدرمان الوطني) بنسبة تفوق 99%، وعلى الذهب، أكبر صادرات البلاد، وعلى استثمارات الزراعة (زادنا) والمواصلات، الخ.. مما يتيح لهم التحكم في المشهد السياسي بشراء النخب، وتغيير موازين القوى بصناعات سياسية نتائجها ظاهرة للعيان في الابواق المبيوعة..

سفر الخروج يعني أن تخرج لأرض ميعاد الشعب، لا أن تظل بصناعاتك السياسية التي تحارب عنك بالوكالة.

(3)

بغض النظر عن كيفية الخروج العسكري عن ساحة السياسة، هناك محاذير في التعامل مع البرهان، وسيرته الانقلابية صارت العنوان الابرز للرجل الذي نكث عن عهده  على الدوام.

فالبرهان الذي زار أرض الاعتصام النبيل وتعهد للثوار بنصرة الثورة، وأكثر من تحية الشباب، هو ذاته الذي اشترك مجلسه العسكري في فض الاعتصام الوحشي في 3 يونيو 2019 والتستر على مرتكبيه، بقطع الانترنت (37) يوماً وهو ينكر ضلوعه في الأمر (وبراءة الأطفال في عينيه).

والبرهان ذاته هو الذي نقض اليمين الدستورية بانقلابه في 25 أكتوبر 2021 معدلا في الوثيقة الدستورية بما يخرق المادة 78 منها، ويعلن الطواريء بما يجافي المادة 40 منها، ويلغي المواد 11، 12، 16 24، 72 وهو يقول في بيان الانقلاب، وبنفس واحد، إنه يلتزم بكامل الوثيقة الدستورية!!

فالبرهان حينما يتحدث يختار بين الألفاظ الذي يعجبه بدون رابط منطق، ولا شرط اتباع بالعمل.. الحديث عنده تبضع في سوق الكلمات وحسب، انتقاء من (بترينة) معروضة، وما أكثر المعروضات في سوق السياسة!!

(4)

بالتالي فإن أي حديث صادر عن البرهان ينبغي أن يخضع، وبصورة مغلظة، لاختبار صدقية صارم، ولضمانات تنفيذ دقيقة ومراقبة شعبية ودولية واقليمية.

(5)

في الوقت الذي أذاع فيه الجنرال بيانه مؤكداً على حق الشباب المكفول في حرية التعبير كانت قوات القمع تجوب العاصمة المثلثة، فحاولت فض اعتصام الجودة واهرقت غازا مسيلا للدموع كثيفا قبل أن تمضي مخذولة، وفضت اعتصام الروسي جنوبي امدرمان، ومنعت قيام اعتصام البراري واعتدت على الثوار في ترس (رويال كير) فاعتقلت العشرات وخلفت عدداً من الجرحى.

وحينما كان محللون يقولون: ها هو قد رمى الكرة في ملعبكم، فخوضوا (والموية تكضب الغطاس)، كانت مياه الجنرال تمد لسانها لنا بأنها كاذبة..

(6)

هذه وربما غيرها دلائل تشير إلى أن البرهان يحاول أن يلتف ويناور على المطالب الشعبية بوسائل سياسية بعد أن فشل القمع الدموي في إخماد الثورة.

وهي تتسق مع ارهاصات بتغيير الجلد تحدث عنها كتاب ومحللون قبل أيام.

(7)

بالرغم من كل ذلك، فإن القوى السياسية وعلى رأسها الحرية والتغيير، ينبغي برأيي ألا تعطيه مراده في اتخاذ موقف رافض بصورة مطلقة، بل تعيد الكرة لملعبه بوضع اشتراطات موضوعية ومبدئية للدخول في اي حوار.

أولها كف يد العسكر عن الثوار والاتفاق على تحقيق مستقل تتفق على وسيلته قوى الثورة وتكون اسر الشهداء والضحايا جزء منه.

ثانياً ابطال كافة قرارات الرفد والتعيين التي اتخذها البرهان منذ انقلابه. وضرورة إبعاد كافة منسوبي النظام المباد الذين قربهم وسلطهم على مفاصل الدولة.

ثالثاً: اي حوار مجد وحقيقي يتطلب اتاحة حرية التعبير ورفع يد الانقلاب عن وسائل الإعلام، وجعلها مفتوحة لاشراك المجتمع كله في كيفية استعادة الانتقال والتحول الديمقراطي.

رابعاً: لا خلاف على ضرورة مسهل اقليمي ودولي للحوار بين السودانيين يكون ضامنا لاي اتفاق بينهم، وملتزما بتقديم المساعدات اللازمة للتحول الديمقراطي في ظل التردي المهول الذي أوصل الانقلاب الحال إليه. لكن التجربة اثبتت ان الاتحاد الافريقي، خاصة شخوصه الموجودين حالياً، ليسوا أهلاً لتسهيل الحوار بانحيازهم المكشوف للعسكر وأذيالهم، ولا بد من آلية جديدة يضاف لليونيتامس فيها الترويكا أو كيان أصدقاء السودان الملتزم بدعم التحول الديمقراطي في السودان بلا مواربة، والعسكر ها هم يقولون بألسنتهم (ما ليس في قلوبهم) إنهم يريدون هذا التحول.

خامساً: التأكيد على أن المدنيين المعنيين بالحوار المفضي للحل هم قوى الثورة بكافة فصائلها، تسووية أم جذرية، وبالطبع لجان المقاومة التي اصدرت مواثيق لسلطة الشعب.  وأي اتجاه لإعادة سيناريو روتانا هو طريق بائس لن يفلح إلا في اغراق طاولة الحوار بمدنيين هم عسكريين بالوكالة، او انقلابيين ومنسوبي النظام البائد الذين لن يقدموا للتحول الديمقراطي سوى العوائق والعراقيل.

سادسا: هناك ملفات تتعلق بالعدالة الانتقالية ومصير قادة المكون العسكري بشقيه الجيش والدعم السريع، ينبغي ان تكون في أجندة اي حوار جدي. إن خروج هولاء القادة من المشهد تماماً، حتى خارج مجلس الأمن والدفاع، صار ضربة لازب لأي تحول حقيقي، وفي ذلك يمكن الحديث عن سيناريوهات عديدة للعدالة الترميمية ينبغي ان تناقش بمشاركة أهل الدم. لكن أرض السودان، ومشهده السياسي، ما عاد يحتمل القتلة الذين أسرفوا في القتل في ذات اللوحة الوطنية التي تريد التعافي من سيرة بحور الدم.

أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.

وليبق ما بيننا

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى