أخبارأعمدة ومقالاتثقافة

قراءة لقراءات: عن مزج الواقعي بالمتخيل

مأمون الجاك

قراءة لقراءات: عن مزج الواقعي بالمتخيل

مأمون الجاك

ميلان كونديرا ليس مضحكاً للغاية، ولكن منطقه الغريب في توليد المُضحِك هو المضحك؛ المنطق لا الخلاصات، لنأخذ مثالاً: يعيد قراءة (مائة عام من العزلة) وتخطر في باله فكرة مضحكة: أبطال الروايات العظيمة لا أبناء لهم، يبدأ في تعدادهم واحداً واحداً، وحين يجد أن بطل رواية (أمريكا) لكافكا قد أنجب من علاقة محرّمة يشرع في دحض هذه الأبوة، فلكي تبدأ الرواية نفسها فإن البطل يهرب من موطنه إلى أمريكا خشية العار، حسناً فرضيته ما تزال متماسكة، فيخرج منها باستدلال لطيف عن كون الحضارة المولدة للرواية الأوروبية الحديثة هي حضارة تمجِّد الفرد، منفصلاً عن كل صلة قرابة أو انتماء، لكن تبقت معضلة عليه حلها: الرواية التي انتهى من قراءتها للتو، رواية عظيمة وبها عدد مهول من الأبناء، ماذا يعني هذا؟ لن يعني بالطبع خطأ فرضيته، ولكن يعني أن هذه الرواية التي تحتفي بالكثرة والتوالد، هي وداع لحقبة الرواية.

ولكن كونديرا لا يبشر بموت الرواية، بل يصنعه، فرواياته هي الدليل الأكمل على زوال الرواية. زوال ماثل في العجز عن السرد الحي للحظات الوجود، فسرده مراقب للشخصيات المتخيلة، يصنع مشهداً بغيه تحليله أو التفكير فيه، هذا الوعي المفرط بالخيال يمحقه، والخفة المرغوبة يثقلها هذا الإدراك، ليس التخييل عنده غاية، ولكن مشهدا ينزوي للوراء ليبدأ عمل الفِكر، وهذا الشروع المكثف في عقلنة الحياة وتحديد الخيال هو ما أعانيه بالضبط، وهو ما جعلني أحب كونديرا حبا حذرا وأنفر منه أحيانا، لأني أشبهه في بعض الأشياء. ربما بلغ كونديرا في استخدام تقنيات بعينها في السرد الروائي مثل مزج الواقعي بالمتخيل مبلغا عظيما، فقد بعث حيل سيرفانتس وكافكا ببراعة، ولكنه بعث ناقص، فسيرفانتس وكافكا كانا يستخدمان هذه التقنيات دون تسميتها، كانت هذه طريقتهم العفوية في التخييل وبناء الحبكة كما أنها كانت تحمل شيئا من الطابع الذهني لشخصياتهم المتخيلة، أما كونديرا فيستخدمها بوعي مفرط، كأن أعماله كلها محاولة لمنع وجود دون كيخوته مرة أخرى، إنه ولنستعر إحدى عباراته في وصف إسالة العواطف والتعبير الزائف عنها عند بعض الكتاب، عندما قال إنها تمثل عجزهم عن العاطفة، وكذلك فإن سخريته نابعة من جدية وصرامة بالغة.
إن مشهد حكي يوزف ك لما جرى له صباحا لجارته الآنسة بورستنر في بداية رواية (المحاكمة)، مشهد عظيم ويجلب ضحكا لا ينقطع، ويضاعف من شعور القارئ بالعالم المتخيل وامتداده في الزمان والمكان، فالبطل يروي ما تمت روايته من قبل بواسطة الراوي أو كافكا، إعادة سرد ما هو مسرود وما صار يمثل ذاكرة مشتركة بين القارئ ويوزف ك، هي حيلة مدهشة للغاية وغير متكلفة، وكذلك فإن طبقات رواية (دون كيخوته) ومستويات عوالمها المتداخلة، لا يشعر القارئ عند انتقاله من أحدها للآخر بأي افتعال أو أثر للصنعة: أي من وهم دون كيخوته إلى حقيقة سانشو بانثا، إلى تعليقات سيدي حامد بن الأيل مؤلف الكتاب، وإنما يشعر القارئ بسلاسة تنقله من متخيل إلى متخيل آخر محتوى داخل الأول، وكل ذلك محكم ومريوط بخيط خفي غير ظاهر للقارئ، لا كإحكام كونديرا المفتعل فالقارئ يشعر عند قراءته بكل انتقال، من السرد الخيالي لفكر الراوي وتعليقاته، كل شيء مصنوع بدقة مزعجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى