أخبارأعمدة ومقالاتثقافة

قراءة لقراءات: النص داخل العالم: دون كيخوته

مأمون الجاك

قراءة لقراءات: النص داخل العالم: دون كيخوته

مأمون الجاك

الذي أراد إدخال العالم إلى بيته أو العالم داخل النص:

يروي ود ضيف الله في طبقاته قصةً عن سبب تسمية الشيخ إبراهيم بن جابر بالبولاد وهي: “أن رجلا حلف أن يدخل بيته جميع ما خلقه الله، فأفتاه بوضع المصحف على سريره، واستدل بقوله تعالى: “ما فرطنا في الكتاب من شيء”. فقال له شيخه: أنت بولاد البربر، أي حديدها الصلب”[i].

تطرح هذه المعضلة عن النص/البيت/العالم عديد الأسئلة المتعلقة بالصلة بين النص المقدس والعالم، أسئلة تنتمي لسياق علم الكلام، وتبدأ من تصور الذات الإلهية وصدور الكلام عنها وبلوغه غايته في نص، أي في هل يمثل النص القرآني منتهى علم الله؟

الآية التي استدل بها الشيخ إبراهيم هي: ““وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ 

ولعل الشيخ خلط بين الجزء الأول من الآية المتحدث عن كافة الحيوانات بالجزء الثاني المتحدث عن الكتاب، فظن أن الكتاب المعني في الآية هو القرآن، فيما ذهب المفسرون الأوائل إلى كونه كتابا محجوبا عن البشر، وهو فوق اللوح المحفوظ في الرتبة ويدعى (أم الكتاب)، وبه سجل وتدوين ما كان وما هو كائن وما سيكون في هذا العالم، فهو الكتاب الكامل غير المضيع لشيء، أما القرآن فمحمل بالآيات المشيرة إلى علم الله الكلي دون الزعم بأنه مقيد داخل النص المنزل على محمد.

ليس العجيب في القصة إجابة الشيخ المستندة على ظن شائع وتفسير مغلوط، وإنما وسواس الرجل الراغب في إدخال العالم إلى بيته؛ ومما خُلِق فضاءات وأمكنة وكائنات لا تحصى، إن بيته لن يكون سفينة نوح التي أخذت من كل جنس زوجا، فهو لن يكتفي بممثل عن كل جنس، وإنما أراد حسب عبارته أن يجلب الكل، البصيرة أم حمد كانت لتمنحه حلا آخر، أكثر عقلانية بالنسبة لنا: اهدم بيتك، صير العالم بيتك.

النص داخل العالم:

من أين يمكن ابتداء الحديث عن كتاب خيالي من ألف صفحة ويحوي قراءه داخله؟ كتاب يصل وعيه بفعلي الكتابة والقراءة إلى أقصاه، فرواية سيرفانتس العظيمة (دون كيخوته)[ii] بناء محكم مكون من عمليتي الكتابة والقراءة، فالبطل وهو نبيل إسباني في القرن السابع عشر يقضي أيامه ولياليه في قراءة يمكننا وصفها بالسذاجة وبالحكمة في الآن نفسه لروايات الفروسية، فهو يصدق كل ما حكي فيها من تهاويل ومبالغات وإفراط في وصف شجاعة هؤلاء الفرسان المتخيلين ومدى قوتهم والأحداث العجيبة التي يلاقونها، يمتلئ ذهنه بهذه الغرائب ليقرر في لحظة ما أن يصير فارسا جوالا، باحثا في عالمه عن المغامرات، وطامحا لكتابة اسمه في سجل الخلود، إلى جنب أبطاله الخياليين. يلاحقه أصدقاؤه، محاولين إقناعه بالعودة إلى البيت، لكنه ينفلت في كل مرة، حاملا معه النص إلى داخل العالم، يجوب سهول ووديان وجبال إقليم المنتشا.

التحول:

كل تحول يبدأ بإعادة التسمية، ففي الخمسين من عمره وقبل أن ينطلق في بحثه عن المغامرات، يعيد دون كيخوته تسمية العالم، بدءا بما يملكه، فهو يغير اسمه من ألونسو كايخانو إلى دون كيخوته، يسمي فرسه، ويتخذ محبوبة ويسميها.

هذه التسميات لا تغير من الحقيقة شيئا، ولا تجسر الهوة بين واقعه وذهنه، لكنه يستمر في عملية تسمية الأشياء وتحويلها عبر الوهم إلى أخرى مماثلة لما جاءت به روايات الفروسية، فهو يحول طواحين الهواء إلى مردة، وقطعان الخراف إلى جيوش متحاربة، والفنادق إلى قصور وهلم جرا. ينبهه رفيقه وحامل سلاحه سنشو بنثا باستمرار إلى حقيقة الأشياء التي يقابلونها في مسيرهم، ولكن الفارس النبيل يفضل ما استقر في ذهنه من قراءاته، ولا ينجو سنشو نفسه من الجنون بتصديقه أحيانا لأوهام سيده ووعوده.

إحراق متأخر جداً للمكتبة:

بعد عودته خائبا من طلعته الأولى، يقرر صديقا دونكيخوته، القسيس والحلاق، إحراق مكتبته المتسببة في إفساد عقله، لكنه حريق متأخر جدا، لأنه كان قد حمل مسبقا هذه المكتبة إلى العالم، قارئا كل ما يراه ويسمعه عبر منظور مكتبته، فهو كما يصف مؤرخه: “”ذلك أن خياله كان في كل ساعة وكل لحظة ممتلئا بالمعارك وأطياف السحر والمغامرات والغراميات وألوان التحدي والمنازلات التي ترويها كتب الفروسية الجوالة، ولم يكن يفعل أو يقول أو يفكر في شيء دون أن يتجه إلى أمثال هذه التهاويل والأوهام”[iii]

الراوي المؤرخ:

الرواية ملأى بالحيل والألاعيب السردية، ولم أقابل راويا بمثل طرافة وبراعة وذكاء سيدي حامد بن الأيل، وهو الشخص الذي ينسب إليه سيرفانتس تدوين تاريخ أعمال النبيل البارع دون كيخوته دلا منتشا. إن استطراداته وتعليقاته وعنونته للفصول وانتقالاته بينها، كل ذلك بديع ومدهش وطريف.

هنالك عدة مستويات للعمل فيما يتعلق بالسرد: نص المؤرخ حامد بن الأيل وهو مكتوب بالعربية حسب زعم سيرفانتس، وهذه حيلة بديعة كما ترى، ونص مترجم إلى الإسبانية عن النسخة العربية، ومستوى سابق على النصين وهو الحياة المحتملة والواقعية للشخصية الخيالية بعيدا عن التدوين، أي لدون كيخوته ومن يقابلهم. ومستوى يتقاطع مع المستوى الأخير، وهو المحاكاة الساخرة لروايات الفروسية ومحاولة تعريضها لشمس الواقع.

هذا التنائي وسلسلة النسب الزائفة يضاعفان جنبا إلى جنب أوهام دون كيخوته من فضاء العمل؛ فحيث يوجد الوهم لا بد من واقع/ حقيقة، إن عملا كهذا مجردا هو بحث صاف عن منبع الخيال، محاولة للإحاطة به وتأطيره وتعريفه وموضعته داخل الذهن البشري: أين يوجد الخيال؟ وكيف يبتدء وأين ينتهي؟ وما هي حدوده؟ وأشكال تحولاته وتطوره؟ وكل هذه الأسئلة يجيب عليها العمل أو يقاربها بتقنياته المتعددة.

محاكاة زائفة وخادعة:

في القسم الأول من الرواية كما أسلفنا يحاكي البطل أفعال وأقوال أسلافه من الشجعان، وهو قسم تجري أغلب أحداثه في سهول وجبال وغابات إقليم المنتشا وفنادقه المتواضعة، وعدا الوعي البسيط لفلاح ساذج هو صاحبه سنشو، فإن تهويمات دون كيخوته لم تحط، إلا في مرات نادرة، وفي الغالب كانت خاضعة ومسايرة لأوهامه، بوعي مغاير يحد من جنون مشاهداته، فالآخرون عدوه مجنونا، وأصدقاؤه القسيس والحلاق وأقاربه اضطروا إلى مماشاة جنونه في سبيل إرجاعه سالما إلى بيته، ومثلوا أدوارا واختلقوا قصصا تماثل تلك التي ملأت ذهنه، لكنهم في نهاية الأمر لم يفلحوا في معالجته من خبله، بل إنه خلال النقاشات التي تواجهه بهوسه وفساد رأيه يدحض أقوالهم ويثبت أنه بالفعل قد كان في هذا العالم فرسان جوالة وأن كل الأمور العجيبة المحكية عنهم قد حدثت حقا.

أما في القسم الثاني من الرواية، فيلتقي دون كيخوته أشخاصا قرأوا القسم الأول وعرفوا جنونه، حينها تتخذ المحاكاة مسارا آخر، يلاحظ ميشيل فوكو في كتابه (الكلمات والأشياء)[iv] تبدل المرجعية في القسم الثاني: ففي الأول كانت المرجعية لأفعال وأقوال دون كيخوته روايات الفروسية، أما في الثاني فهي أفعاله وأقواله هو نفسه في القسم الأول، إنه يغدو بهذه الحيلة أي كونه قد تمت قراءته شخصا حقيقيا وماثلا وغير مشكوك في وجوده، بل إنه يشرع هو وسنشو في تصحيح أخطاء الراوي وإعادة روي ما مر بهما داخل القسم الثاني: إنه هنا يقع في إسار متلاعبين به، هم يبتدؤون المحاكاة ويوجهونها؛ ولكن أليست كل محاكاة خدعة؟ فأغلب مغامرات القسم الثاني ليست عن مشاهد حقيقية يراها الفارس، وإنما تمثيلات وتزييفات معدة للسخرية منه، إنه يخدع بالصورة انخداعه بالواقع، فهو يحطم مسرحا للعرائس يروي قصة هروب أميرة رومانية من أسر المسلمين عندما بدا له أن مسار القصة سيؤول إلى القبض عليها مرة أخرى، ويشرع في الهجوم على عربة تحمل ممثلين مسرحيين يجسد أحدهم الشيطان والآخر الموت.

إن كان القسم الأول من الرواية باعثا على الضحك والإعجاب فإن الثاني يثير الشفقة والأسى على مصير دون كيخوته والحنق على مخادعيه.

موت الشخصية الخيالية:

ينتحر مصطفى سعيد بعد مدة قليلة من روايته لقصته لراوي رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)[v]، بحكايته لمأساته تكتمل فصول حياته، ولا يبقى هناك ما يعاش لأجله، فهو قد انتظر مجيء القارئ/ المستمع المثالي لقصته: شخص متعلم وجرب الغربة في بريطانيا المستعمر، وألم لا شك بشيء من تفاصيل الصراع،  فاستدرجه ليترك له عبء فهمها وتفسيرها ويجعله وصيا على زوجته وولديه، لكن المستدرَج نفسه يثقل العبء كاهله فيقرر التخلص من حياته. رواية الطيب صالح قامت أيضا ببراعة على ازدواجات عدة منها: القراءة/ الكتابة، الوصول/الرحيل، وهي شبيهة بالكيخوته في نمذجتها لهذين الفعلين، وجعلهما أساسيين في تكوين الشخصية الخيالية، ويذكرنا هوس الراوي بقصة مصطفى سعيد بهوس دون كيخوته بما يقرأه، كما تذكرنا محاولته إحراق مكتبة سعيد بالحريق المضرم في مكتبة دون كيخوته، والراوي في الموسم يعدل عن الشروع في إحراق الكتب لعلمه بأن خلود مصطفى سعيد وبقائه لم يعد مرتبطا بما تركه من آثار مكتوبة ولكن به هو نفسه، ولهذا يذهب إلى البحر، محاولا مرة أخرى التخلص من نفسه ومن سعيد.

لماذا مات دون كيخوته؟ يورد سيرفانتس سببين، أحدهما متعلق بمجرى الأحداث، في كون دون كيخوته قد هزم في مبارزته الأخيرة مع فارس مزيف، هزيمة مدبرة لكون ذلك الفارس هو أحد أصدقائه، والذي طلب منه حال هزيمته أن يعود إلى بيته ويستقر فيه لمدة عام، أملا في شفائه من جنونه في تلك المدة. ذكرى الهزيمة لا جرح غائر إذن سبب للموت، ومع اقترابه يجيء الصحو من الأوهام، ففي علته الأخيرة يستيقظ دون كيخوته من أوهامه ويعود لشخصيته الطبيعية: ألونسو كايخانو، يتبرأ عندها من أفعاله الماضية ويعلن تكذيبه التام لما جاء بروايات الفروسية.

هنالك سبب آخر يتعلق بالتزوير، فبعد صدور القسم الأول من الرواية في إسبانيا تعرضت شخوصها الرئيسية للسرقة والتزييف في أعمال أخرى تحت نفس الاسم، أقسام ثانية من الكيخوته لم يدونها سيرفانتس، ومدفوعا بالرغبة في الحفاظ على إبداعه فإن القسم الثاني الذي كتبه سيرفانتس حافل بالإشارة إلى النص المنتحل وتكذيبه والسخرية منه، ولإقفال الباب نهائيا أمام أي انتحال مستقبلي محتمل فإنه يدفع البطل نحو الموت، ويؤكد في الأسطر الأخيرة للعمل أن دون كيخوته قد مات؛ لأنه أكمل مهمته وغاية كتابته: وهي السخرية من روايات الفروسية وخيالها الساذج والمهلهل، ولا سبيل لبعثه في أي عمل آخر.

تحايا أدبية:

بدءا من السرقات الأدبية في زمان صدورها وحتى التحايا الموجهة عبر القرون، استمرت رواية سيرفانتس الخالدة في نيل الإعجاب، فهي تعد فاتحة الرواية الأوروبية، ولا تكاد موضوعات مثل: الوهم/ مرجعية الشخصية الخيالية/ تقنيات السرد/ مزج الواقعي بالمتخيل/ الضحك، تذكر دون الإشارة للرواية التي قاربت هذه الموضوعات بابتكار وحرفية عالية.

يقرأ ميشيل فوكو في كتابه (الكلمات والأشياء) الرواية قراءة ألمعية، فهو يموضعها داخل التحولات التي طرأت على الذهن الأوروبي في بداية القرن السابع عشر، والانتقال من علاقة التماثل والانطباق بين الكلمات والأشياء إلى علاقة أخرى تنفصم فيها الصلة بينهما، ولا يمثل فيها النص سوى الكلمات التي يرويها: “يرسم دون كيخوت السلبي لعالم عصر النهضة، فالكتابة كفت عن أن تكون نثر العالم، والتشابهات والشارات قد حلت تفاهمها القديم؛ والتماثلات تحبط الآمال، وتنتهي إلى الرؤى وإلى الهذيان، والأشياء تبقى بثبات في تطابقها الساخر: إذ إنها لم تعد قط إلا ما هي عليه، والكلمات تتيه في المغامرة، دون مضمون، دون شبه يقوم بملئها؛ ولم تعد تطبع الأشياء بسمتها؛ وإنما تنام بين أوراق الكتب وسط الغبار… إن شارات اللغة، الموضوعة على الصفحات المصغرة للكتب، لم تعد لها قيمة سوى القصة الباهتة لما تمثله. والكتابة والأشياء لم تعد تتشابه. وبينهما، يتيه دون كيخوت في المغامرة”.[vi]

فيما كتب بورخيس عدة نصوص ومقالات عن الرواية تمتلئ بالامتنان والافتتان بالنص، منها: مقال (سحر القصة داخل القصة في الكيخوته)[vii]، وفيه يبحث بنية الرواية، مستشهدا بأعمال أخرى استخدمت البنية ذاتها، والأثر الذي يحدثه تلقي تلك الأعمال في النفس، ونص قصير بعنوان (حكاية سيرفانتس ودون كيخوته)[viii]، ونص قصير آخر بعنوان (معضلة)[ix]، وفي هذا النص يدرس احتمالا غريبا: ماذا لو أن دون كيخوته في غمرة أوهامه وصراعاته قام بقتل شخص، كيف ستكون ردة فعله؟ ولعل أشهر نصوصه المحيلة للنص الإسباني هي قصته (بيير مينار، مؤلف دون كيخوته)[x]. وتحايا بورخيس لسيرفانتس لا تنقضي، فهو يستخدم حيله ومفارقاته في بناء العديد من نصوصه.

يشير هنري برجسون في كتابه (الضحك) إلى حالة دونكيخوته الذاهلة، ففي تعريفه للضحك يكون لانعدام المرونة وعدم القدرة على  التأقلم مع الحاضر/ الواقع دور كبير في تحول سلوك الشخص المتصلب إلى مضحك قولا أو فعلا وهو ما كانه دون كيخوته، فيقول: “حين يكون المضحك ناتجا عن سبب ما، فإنه يزداد إضحاكا بنسبة ما نرى سببه طبيعيا. نحن نضحك من الذهول حين نراه، ولكن ضحكنا منه يكون أشد إذا نشأ وترعرع على مرأى منا، فعرفنا أصله، واستطعنا أن نبني تاريخه من جديد. ولكي تروا مثالا واضحا على هذا تخيلوا امرءا جعل قراءة روايات الحب والفروسية ديدنا له. لقد جذبه أبطاله وفتنوه. فأصبح ينطلق إليهم بفكره وإرادته شيئا فشيئا. ثم هاهو ذا يسير بيننا كالسائر في نومه. إن أفعاله هذه من الذهول، ولكنه ذهول مرتبط بسبب وضعي معروف، فما هو مجرد (غياب)، بل إنه ليفسر (بحضور) في وسط محدد تمام التحديد، وإن يكن من نسيج الخيال. إن السقوط سقوط على كل حال، ولكن شتان بين من يسقط في بئر لأنه كان ينظر إلى موضع آخر فلم ير البئر وبين من يسقط فيها لأنه رأى فيها نجمة فاستهدفها. وما كان يتأمله دون كيخوته هو هذه النجمة. فما أعمق المضحك في شخصية خيالية، وفكر عالق بالأوهام”[xi].

كتب كافكا نصا قصيرا عنوانه (الحقيقة عن سنشو بنثا)[xii]، وفيه يزعم ساخرا أن قارئ روايات الفروسية هو سنشو لا دون كيخوته. فيما تمتلئ أعماله باللا متوقع وبمصادفات ومفاجآت يلقاها البطل في عالمه، متبعا بلا شك درب الروائي الإسباني.

يحيي كونديرا في روايته (الخلود)[xiii] ذكرى سيرفانتس، ففيها يفرد مقطعا للحديث عن حب دون كيخوته لدلثنيا، واعتزاله في جبل الشارات، ويتأمل في سخرية صورة الحب في الرواية، وهي ملأى بقصص العشق اليائس المبتدء من نظرة واحدة، عن أشخاص يقعون في حب من هو دونهم أو فوقهم في المرتبة الاجتماعية، أو لفتيات غرر بهن عشاق بوعدهن بالزواج ثم أخلفوا وعدهم، هذا إلى جانب الحب الغريب لدون كيخوته لسيدة لم يرها ولم توجد أبدا، وإنما اختلقها من الصفات الجسدية والأخلاقية التي ذكرت في روايات الفروسية لعشيقات الفرسان، وعدها الأكمل، متوجها لها بالنداء في كل معركة يخوضها. ووضع قصص الحب هذه إلى جنب مغامرات دون كيخوته المتوهمة والمضحكة وحده كفيل بإثارة الضحك من مفهوم الحب، فهو لا يقل جنونا عن ذاك الذي ملك دون كيخوته؛ فصفحات قليلة تفصل بينهما.

تدين رواية كونديرا أيضا بمبناها لسيرفانتس، فموضعة الروائي لنفسه داخل العمل، ثم حكيه لعملية الكتابة والتخيل لشخصيات عمله، وكيف أنهم يتولدون من حركات متلاشية، وكيف أن لقاءات تحدث بين شخصيات خيالية وأخرى واقعية، أي المزج بين المستويين، هذا السحر كله ابتدعه الروائي الإسباني.

فيما يتصل بموضوع الوهم والبطولة، بإمكاننا ذكر أفلام أميركا في النصف الثاني من القرن الماضي وبداية هذا القرن، أفلام مارتن سكورسيزي مثلا: (TaxiDriver) [xiv](The King Of Comedy)[xv] (Shutter Island) [xvi] ففيها لا شفاء من الوهم، إنه ينتهي ليبدأ من جديد، فكما لم توقظ ضربات العصي والارتطام بالأشياء والنقاشات دون كيخوته من أوهامه، كذلك أبطال سكورسيزي سائرون في أحلام يقظتهم، ومعلقون في الوهم، لا المصحات العقلية ولا الحيل المعدة بعناية ولا الفشل المتكرر قادر على منحهم اليقظة. وكذلك فيلم المخرج الإسباني أليخاندرو إيناريتو (Birdman)[xvii]، وفيه يكون مرجع الوهم الصورة لا الكلمة، فالبطل دون كيخوته العصر الحديث.

 

[i] كتاب (الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان) لمؤلفه محمد ضيف الله بن محمد الجعلي الفضلي، تحقيق: الشيخ إبراهيم صديق أحمد، الدار السودانية للكتب.

[ii] رواية (دون كيخوته) للمؤلف الإسباني ميغيل سيرفانتس، ترجمة: عبد الرحمن البدوي، دار المدى للنشر.

[iii] (دون كيخوته)، مرجع سابق.

[iv] كتاب (الكلمات والأشياء) للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، تر: عدة مترجمين، مركز الإنماء القومي.

[v] رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، الأعمال الكاملة للطيب صالح، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي.

[vi] (الكلمات والأشياء)، مرجع سابق.

[vii] كتاب (مختارات الفنتازيا والميتافيزيقيا) ، للقاص الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، تر: خليل كلفت، دار شرقيات.

[viii] مجموعة قصصية وشعرية (الصانع)، خورخي لويس بورخيس، تر: سعيد الغانمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

[ix] (الصانع)، بورخيس، مرجع سابق.

[x] مجموعة قصصية (المرايا والمتاهات)، بورخيس، تر: إبراهيم الخطيب، دار توبقال للنشر.

[xi] كتاب (الضحك) للفيلسوف الفرنسي هنري بيرجسون، تر: سامي الدروبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

[xii] مجموعة قصصية (سور الصين) للروائي التشيكي فرانز كافكا، تر: سامي الجندي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

[xiii] رواية (الخلود) للروائي التشيكي ميلان كونديرا، تر: روز مخلوف، دار ورد.

[xiv] فيلم (TaxiDriver) للمخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي، بطولة: روبرت دي نيرو، صدر عام 1976.

[xv] فيلم (The King Of Comedy)، مارتن سكورسيزي، بطولة: روبرت دي نيرو، صدر عام 1983.

[xvi] فيلم (Shutter Island)، مارتن سكورسيزي، بطولة: ليوناردو دي كابريو، صدر عام 2010.

[xvii] فيلم (Birdman)، للمخرج الإسباني أليخاندرو إيناريتو، بطولة: مايكل كيتون وإدوارد نورتون، صدر عام 2014.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى