أخبارتقارير وتحقيقات

أحمد مقام الدين.. قصة طفل يتيم اغتالته رصاصات الانقلاب

أحمد مقام الدين، الطفل اليتيم الذي اغتالته رصاصات قوات الانقلاب في موكب 17 مارس الماضي، يحمل سيرة شهيد عظيم رغم سني عمره القصيرة، روتها أسرته من بين الدموع!!

التغيير- أمل محمد الحسن

«كان مجرّد طفل، لم يتعلم قلبه حمل البغض لأحد»، بدلاً عن الانتقال إلى الصف السادس الابتدائي، نقلته رصاصات القوات النظامية إلى الدار الآخرة، تاركة الحسرة تأكل قلب أمه!

لم يكن أحمد مقام الدين الذي لم يكمل الـ«13» عاماً بعد مجرّد طفل عادي، فقد مثل دوراً محورياً في حياة أسرته حتى قالت عنه خالته: «يقولون إن البنت سندها أبيها وأخيها، أنا كان سندي أحمد».

قبر الشهيد

حزن مقيم

لم يتولد ذلك الشعور لدى الخالة بالصدفة، فالطفل الذي جعلته الظروف يمكث في منزل أسرة والدته كان يتعامل كأنه رجل بالغ، في إحساسه بالمسؤولية «لم أكن أخرج لأي مكان إلا وأحمد يرافقني».

من بين دموعها وبصوت متحشرج حكت خالته رؤى لـ«التغيير» كيف أنها تعود من عملها في وقت متأخر، تجد أبيها وأخيها ناما بالفعل بينما أحمد ينتظرها في الشارع، لا يهدأ له بال حتى وصولها.

«لو حدث وخرجت يواصل الاتصال بي والاطمئنان حتى عودتي».. «هاتفي القديم كله مكالمات ورسائل منه».

وتضيف «حتى أبي كان يعتمد عليه في كل شيء، في جميع متطلبات المنزل، وفي جميع المشاوير التي يحتاج الجد أن يقوم بها، يكون أحمد مرافقه، عكازه التي تسنده، ويده الفتية التي تحمل عنه الأثقال».

«بكي أبي كالطفل عندما سمع خبر وفاة أحمد» هكذا قالت الخالة التي كانت لصيقة به أكثر من البقية.

فيما وصف الجيران لـ«التغيير» كيف أن الجد كان يبكي بحرقة، ولا ينفك يردد «الأمانة.. قتلوا الأمانة».

شهيد

اليتيم «الأمانة»

نشأ الطفل أحمد يتيم الأب، بعد أن انتقل والده إلى رحمة مولاه بعد حادث سيارة، كان هو الطفل الأكبر ولديه أخ أصغر، وجد كل المحبة من جانبي أهل أبيه وأهل أمه «كانت جدته لأبيه متعلقة به كثيراً، روحها فيه خاصة أنه يذكرها بابنها الذي مات في ريعان الشباب».

بعد أعوام تزوجت والدته وتركته في رعاية أسرتها، التي عملت على رعايته وأخيه وإدخالهما المدرسة، في حي أركويت مع جدته لأبيه أولا ثم عادوا لمنزل الأسرة الكبير بحي العباسية في أم درمان.

«لم يأخذ وقتاً طويلاً حتى اعتاد على الجميع، وعقد صداقات كبيرة مع أبناء الحي، ومع لاعبي كرة القدم بميدان الربيع»- الذي يسكنون بالقرب منه.

وأضافت الخالة: «من ذاك الذي لا يعرف أحمد؟ ونحن نسير في الطريق يبادله الجميع صغاراً وكباراً السلام».

التحق بمدرسة الشيخ البدوي، كان من المفترض أن يتم نقله للصف السادس إلا أنه كان متعلقاً بالمواكب والمظاهرات ولا يهتم بدراسته، فتم إعادته للصف الخامس، وبينما كان دائم الخروج الأمر الذي سبب القلق الكثير لوالدته التي تقيم في إحدى الدول العربية، قرّرت أن تأخذه ليعيش معها هناك.

في اليوم الذي أصابته رصاصات القوات النظامية؛ كان يجب أن يكون في عاصمة أخرى، تأخر فقط تحت رجاءات الأسرة لوالدته بأن تتركه يشهد زواج إحدى خالاته قبل مغادرة البلاد.

الشهيد أحمد مقام الدين

«غاضبون».. أسلوب حياة

«حقيبته المدرسية، كراساته، كل شيء كان يحمل عبارات غاضبون بلا حدود، وتسقط بس»، كان أحمد يخرج في المواكب من قبل انقلاب البرهان على السلطة الشرعية في البلاد.

لكن صادف أن زارت مجموعة «غاضبون» ميدان الربيع مكان لعبه لكرة القدم، ومنذ ذلك الوقت تعلّق قلبه بهم، كان يقول باستمرار إنه أصبح رجلاً ولا يجب أن يبقى داخل المنزل، لابد من الخروج باستمرار في المواكب حتى إسقاط النظام الانقلابي.

لم يكن يتساهل معه الأهل، كانوا يعاقبونه لدرجة الضرب، ويحاولون منعه من الخروج في المواكب بكل الطرق، لكن ذلك لم يثنه مطلقاً عن الخروج في كل موكب معلن.

«كان يحفظ جدول المواكب عن ظهر قلب، ويخرج في كل موكب على الرغم من المحاذير والعقاب».

الشهيد احمد مقام الدين

إصابة قاتلة

«جاء بعض الأولاد ليخبرونا أن أحمد أصيب في ساقه، لم نكن نعلم أنها الإصابة القاتلة»- قالت خالته.

هرع جميع الأهل والأصدقاء إلى مستشفى وعد بأم درمان، التي تم إسعاف المصاب إليها، منذ دخوله عرف الأطباء أن أيامه معدودات، وأنه لن يفيق من الأجهزة الموصولة برئتيه! وعلى الرغم من ذلك لم يستطع أي منهم إخطار الأهل إلا بعد مرور ساعات على وفاته.

كانت الإصابة في حي العباسية، شوهد «3» نظاميين يطلقون النيران باتجاه الطفل، من كان يحمل السلاح وجهه ملثم.

سقط أحمد على وجهه، بعد أن اخترقت كمية مهولة من «السكسك» جمجمته محدثة كسراً ونزيفاً فيها، فيما انتثر عدد لا محدود على ظهره.

«الطبيب أخرج من الرأس 4 قطع سكسك، لم تكن تلك جميعها لكنه قدّمها كعينة للفحص! أما الظهر فقد كان فيه الكثير على الرغم من عدم إخطارنا بذلك فوراً، بل اكتشفته إحدى الخالات التي تعمل في وظيفة سستر».

أصيب في موكب 17 مارس، كان يوماً فيه قمع مفرط، وبقي في العناية حوالي «4» أيام قبل أن يتم إعلان الخبر الحزين.

«نادى علي الطبيب لإخباري بخبر انتقال أحمد، كانوا جميعهم مجتمعين حتى حراس الباب، لم يستطع أحدهم أن يقولها، لكنني عندما نظرت إلى فراشه كان هناك ملفوفاً».

صرخت الخالة المكلومة تسأل حول مدى المحاولات التي بذلها الطبيب لإعادته إلى الحياة، ولم تتمكّن من التجاوب مع كم الطلبات المتعلّقة بالذهاب إلى المشرحة. «لقد طلبتم أضعف شخص»- هكذا قالت قبل أن تسقط مغشياً عليها.

«لم نكن بخير، لم يكن أحدنا بخير منذ نبأ إصابة أحمد، بعد وفاته لم يستطع أحد فينا أن يتمالك نفسه».

والدة الشهيد

قلب الأم

كان هذا حال الأهل هنا، أما الأم البعيدة فقد دخلت إلى المشفى عدد من المرات، فارقت النوم والطعام، وكانت قد وضعت طفلا قبل «12» يوماً فقط من النبأ الفاجع.

حالت الظروف المتعلّقة بإجراءات الإقامة دون وصولها لتمنح طفلها نظرة أخيرة، قبلة وداع، حضن أخير لبكرها، وفرحتها الأولى، أتت إلى السودان لتجد السلوى بين أهلها ووالديها واخوتها، لتسمع منهم القصص المشرّفة والمضحكة والمبكية عن آخر أيام ابنها البكر.

«في آخر الأمر صبرت، تيقّنت وعادت للأكل والشرب»، لكنها أخذت معها ابنها الثاني فوراً قبل أن تغادر أرض السودان، ذلك الوطن الذي لم يتمكّن من حفظ الأمانة التي أودعتها له، واغتالت رصاصات قواته النظامية روح طفلها الذي لا ذنب له سوى أنه سمح لنفسه بأن يغضب، ويحلم بوطن حر.

فزع الأخ

«أنا أراه هنا».. كان يصرخ «أواب» أخ الطفل الشهيد الثاني، وشقيقه الوحيد لأبيه، على الرغم من أنهما كانا كثيري الشجار كحال الاخوة الذين يكونون في عمر متقارب، إلا أن أيمن لم يستطع أن يتخيل حياته بدون ذلك الأخ المشاغب.

الشهيد أحمد

«مع من العب الآن» كان يردد هذا السؤال، وكثيراً ما يصحو فزعاً من النوم وهو يصرخ ويؤكد أنه رأى أحمد يجلس قربه.

صبر الجميع، وبدوا متماسكين ولو ظاهرياً، إلا أواب، ما زالت نوبات الفزع تصاحبه، الصراخ الليلي، ونوبات الانفجار باكياً بلا مقدمات، بكاء حار يُجبر والدته على الانخراط معه فيه بدلاً من تهدئته، ومن يملك أن يفعل؟ يهدئ قلوباً محبة ويمنحها سبباً واحداً يبرِّر مقتل طفل في بواكير الصبا؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى