أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

الشيطان الأكبر

خالد فضل

ثمّ لا ننفك نبذل الدعوات بالرحمة للقتلى والشفاء للمصابين والجرحى والعودة السالمة أو معرفة المصائر للمفقودين والمشردين المختفين قسريا , نحتسبهم شهداء عند الله ومكانهم عالي الجنان ,ولو أنّ الله عزّ وجلّ كان قد خصص مسبقا كمية محدودة من الدعوات لكل شعب لكنا قد استنفدنا ( كوتة) دعواتنا من زمان . المهم أن مجموعهم هم ضحايا حياة قلقة , ووقائع مزرية , وتهافت بغيض , واستهانة بأرواح البشر, واستخفاف بليغ بأقدارهم , إنّها ثقافة الإقصاء , وتربية العدمية التي تضج بها أدبيات تنشئة وتربية الأجيال المتساوقة من السوادنة , يا فيها يا اطفيها , دار أبوك كان خربت شيلك منها شلية , جلدا ما جلدك جُر فوقو الشوك .. إلخ , هل يتصور أحد أن مثل هذه العبارات لا تؤثر في التربية , نعم, لا تؤثر فحسب بل يتم تمثلها كابر عن كابر , وفي تقديري أنّ أثر مثل هذه التنشئة ينعكس على السلوك العام , فنجد مثلا أنّ نظر عامة الناس للدولة كجهاز فوقي عنيف , يحملهم ما لا طاقة لهم به , فتراهم يتهربون من دفع الضرائب والرسوم وحتى غرامات المخالفات المرورية بحجة تطرح في شكل سؤال , هي القروش دي قاعدة تمش وين ؟ ثم تعقبها الإجابة المعتادة , ما قاعدة تمش لجيوب بعض المستفيدين من الموظفين الحكوميين . هناك شبه يقين أنّ الدولة السودانية كلها فاسدة ومنهارة وفاشلة ؛ وعندما قال باقان أموم _ حياه الغمام _ هذه العبارة بالتحديد عندما كان وزيرا لشؤون مجلس الوزراء على أيام اتفاقية نيفاشا (2005__2011م) ردّ عليه نافع علي نافع بقسوة تشبه لغة زمانه الأغبر . إنكار الحقائق هو سمة من سماتنا العامة , لدينا نصف الحقيقة يمثل الحقيقة الكاملة التي ( ما تخرش ميه) على حد التعبير المصري , ونادرا ما نعترف بالتقصير أو أقله سوء الفهم والتقدير في هذه الواقعة أو تلك , كل واحد منا يمكنه ببساطة اختبار هذه الفرضية في مضمار نشاطه البشري , سيكتشف بسهولة وجه العيب هذا في سلوكنا , وهذا مما يدخل ضمن حيثيات الشيطان الأكبر الذي نتوهمه خارجنا وهو فينا كائن كامن , يظهر في وقت الاختبار جليا لا يحتاج إلى قاموس يفسره .
البعض منا يتحدث بلهوجة عن الحلول لمعضلاتنا الوجودية , مثل أن يقول قائل إنّ الحل يكمن في حكم عسكري ثم فترة انتقالية عسكرية ثم من بعد ذلك تأتي الديمقراطية , بالله عليكم هل مثل هولاء يستحقون فرصة الحديث إلى فضائيات ! فالديمقراطية عنده صندوق آلات يتم استيرادها عبر الميناء أو المطار وبعد التخليص الجمركي والذي منو مما ( بمشي وين) يتم تركيبها في القصر الجمهوري أو مجلس الوزراء وتدور لتسري عبر أسلاك الكهرباء لتضئ كل بيت , هكذا يقدم بعض السودانيين أنفسهم أضحوكة أمام الإعلاميين في الفضائيات العربية , ولعل متابعي قناة الجزيرة يتحلقون حولها ساعة استضافة هولاء الأراجيز عوضا عن الذهاب لحضور عرض كوميدي في المسرح !! هل تكمن المعضلة فيمن يطلق عليهم مجازا مصطلح النخبة ؟ أم أنّ هذه النخبة _ ولأستاذنا الجليل عطا المنان عباس تحفظ كبير على اطلاق هذا المصطلح على النخبة السودانية _ ورأي أستاذنا عطا فيه قدر من الصحة كبير , هذه النخبة هي وليدة مجتمع التناقضات ذاته لكنها لم تنفك من أسر نواقصه لتستشرف لمجتمعها أفاق التغيير , ولذلك ربما جاز التحفظ على دورها , فمثلا , في مسألة النزاعات القبلية الحادة التي تستغرق جل المساحات الجغرافية للبلاد , أول ما يتم تداوله من أخبار هو ضلوع فلان وعلان من النخبة السياسية أو العسكرية في تأجيج الصراع , أسأل نفسي دوما في هذه المواقف عن البوم الذي يعجبو الخراب , وعن كيف لسياسي أو حاكم يريد الخير فعلا لشعبه وبلده , لا يجد سبيلا لصنع الجميل إلاّ عبر الدم المسيل ؟ صحيح ذاك السياسي أو المسؤول الحكومي وجد فضاء صالحا يحتله الشيطان الأكبر فتحالف مع شيطان التناقضات والنواقص فينا ثم ( يحدث ما يحدث) , تبدو صورة تعايشنا وتآلفنا هشّة للغاية , عندنا في الجزيرة نصف هذه الهشاشة بالترعة عندما تمتلئ بالمياه تكاد تنفجر قيفتها , فنقول والله الترعة لو ركّت فيها طيرة تكسرا , فعلا صورة حياتنا قلقة لهذه الدرجة , وهذا شيطان رجيم لم نستطع من سطوته فكاكا , الحديث المتكرر عن تسامحنا يكاد يلامس تخوم يقول المريب خذوني , كيف نكون متسامحين تجاه بعضنا البعض وفي أي نزاع حول أرض أو بهيمة أو نقارة يمكن أن نهدر مئات الأرواح الآدمية ؟
الحكومة الفاشلة التي سيطرت على الحكم منذ الإستقلال تواصل فشلها , كل الأجيال والأصناف فشلت حتى الآن في تقديم ما يفيد , شيوخ العسكريين مثل الفريق عبود والفريق البرهان , وشبابهم مثل العقيد النميري والعميد البشير لم يزيدوا الوضع إلا خبالا ! الصادق المهدي احتل المنصب الأول يافعا ثلاثينيا في العمر , والمحجوب لم يك شيخا وقتذاك , الأزهري الكهل ومعتز موسى الشاب تعاقبوا على دست السلطة في مراقيها العليا , وكل عهد وأنتم ترزلون , اليسار ارتكب الأخطاء واليمين أوغل وشذّ في التمادي في الوحل , الوسط لم يسلم سيره من واضح العسرات , الجيل الصاعد اليوم كفر بكل السياسة القديمة , يبدو معه حق , نحتاج فعلا إلى فكر جديد رؤية مغايرة , نحتاج إلى نقد مرير لا يستثني عهدا أو يهادن فردا , الجيل الصاعد اليوم معه ألف حق , فمن الواجب أن تخلى له الساحة عسى أن يولد السودان على يديه من جديد عساه يرجم الشيطان فينا ثم تستقم حياة الوطن الجديد عسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى