أخبارأعمدة ومقالات

الإدارة الأهلية.. داء أم دواء؟

خالد فضل

ربما يأتي تفكيري من خارج الصندوق فلست منتميا في الواقع لأي إدارة أهلية ليس لدي ناظر يأمر فيطاع أو عمدة يتغطرس فتنحني له القامات. كما لا أشعر بأي أهمية أو دور لشيخ قبيلة؛ هذا ناجم من نشأتي في منطقة الجزيرة التي مثلها مثل مناطق أخرى في السودان تخلّصت من أسر القبيلة لتدخل في مرحلة المجتمع المتعدد؛ بفضل الحداثة التي أدخلها مشروع الجزيرة دون شك .

في موسكو ؛ على أيام رحلة الإستشفاء  لعين فقدت البصر لوهلة والتي أكرمني بها رهط غير قليل من السودانيات والسودانيين في الداخل والخارج  في النصف الأول من عام الثورة الديسمبرية المجيدة، قابلت شابا يدرس لنيل درجة الدكتوراة هناك  كان يدافع بقوة عن دور القبيلة بإعتبارها تميمة الوجود للمنتمين لها ؛ يبدو أن تلك هي الصورة في شرق السودان مثلما حدّثني زميل صحفي كانت له حادثة مشهورة مع أحد جبابرة الوزراء الأمنجية في عهد البشير المقبور  وكيف أن مسؤولا رفيعا جدا من مسؤولي ذاك العهد قد تنازل طوعا عن صفته الدستورية المزعومة لناظر القبيلة ليحل المشكلة بين الوزير وابن القبيلة الصحفي.

على امتداد جغرافي شاسع من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب تتوهط القبيلة وشيوخها ونظاراتها وعمودياتها وشراتيها ومكوكها يمثلون ما يعرف بالإدارة الأهلية هل هذه الإدارة داء يستشري في جسد التماسك الوطني ؟ أهي دواء من علل ذات الجسد ؟ بالطبع وبمناهج البحث العلمي المعروفة يمكن فرض فرضيات ومن ثمّ البحث فيها فإن ثبتت أو بطلت يكون البحث قد وصل إلى غايته وخلص إلى نتائجه. لا شك عندي أنّ بحوثا عديدة حول هذا الموضوع قد انجزت  ودرجات علمية تم حيازتها  لتقصير مني لم أطلع على تلك المنجزات العلمية، ومع ذلك ثمّ سؤال يطرح عن جدوى التعليم وغايته الأساسية تغيير تدريجي في السلوك لتحقيق أهداف محددة سلفا في زمن محدد هل هناك تغيير حقيقي في سلوك المتعلمين السودانيين/ت؟ قد نتحدث اللغات الأجنبية ونبزّ بها أصحاب ألسنتها الأصليين، قد يلتحق بعضنا بوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) ويحوز الأولوية على الآخرين، قد نؤسس مدنا وبلدانا من عدم ، قد نخترع أو نبتكر في الطب والصيدلة والعلوم الإنسانية فلماذا حال بلدنا وأوضاع أهلنا على هذه الدرجة البئيسة من البؤس ؟ هل تعليم معظمنا شكلاني كما هو حال تديننا ؟ فنحرص غاية الحرص ليس على الفروض بل النوافل والأوراد والذكر وحلقات التحفيظ وصوم الإثنين والخميس ثمّ ننهض للمال العام فنختلسه وللوظيفة فنقصر في أدائها وللنفس فنزهقها بسبب صراع قبائل وطموحات عُمد ونظار.

ثمّ ما دور الإدارة الأهلية في وضع إداري واضح المهام  من لجنة التغيير والخدمات في المربع والحي والقرية والوحدة الإدارية ثم المحليات  فالولاية وحتى السلطة المركزية في العاصمة ما دور وأهمية وجود الإدارة الأهلية في هذه التراتبية الإدارية ؟ قد يقول قائل إنّ دورها يكمن في الحلول المحلية العائلية لما ينجم من مشاجرات ومناكفات بين أفراد القبيلة أو مع قبائل أخرى. حسناً، هذه جهود محمودة ومرغوبة وتدخل ضمن سبط الأعراف والتقاليد لبعض المجموعات؛ وهي محل تقدير وإحترام ما ألتزمت بهذه المهام ولكن مع الأسف الإدارات الأهلية تتمدد فيما لا يخصها من شؤون شأنها شأن العسكر الذين يتركون الواجب وينصرفون لمعافرة شؤون الحكم التي ليس من اختصاصهم ومهامهم المهنية ففقدوا الإثنتين معا ثمّ أنّ معظم الإدارات الأهلية هي عبارة عن مطايا للحاكم راحما أكان أم باطش لا يفرق. المهم أنّه حاكم صفته حاكم عام انجليزي أو محافظ مديرية سوداني أو حميدتي يتقبلون ويتطلعون إلى عطاياه ويسبحون بتمجيده ويحشدون أبناء القبيلة لتأييده  والقبيلة صلة دم ورابطة قربى من الدرجات ما دون الوطنية والإنسانية  فلماذا لا يتقدم المتعلمون من أبناء هذه القبائل الخاضعة لسطوة الإدارة الأهلية ليكونوا هم ( طفل فرعون) وليحدث ما يحدث لماذا يركن الدكتور ونائب الرئيس والوالي والوزير والأستاذ الجامعي لدور الكومبارس في جوقة الناظر والشرتاي والمك والعمدة  وليرحم الله عمر الطيب الدوش  مسؤول كبير في الحلة غير الله انعدم  ما شفنا زول سكت جهال ما شفنا زول رضّع بهم. أين المثقفون العضويون وعبد الرحيم أبوذكرى يرحمه الله يصرخ كاتبا منذ عقود عن الحاجة لمثقفين حفاة.

إنّ نقيع الدم البشري الذي يسيل يوميا في بلادنا يجب أن يكون مدعاة لتفكير أعمق  فرض عين على كل راشد/ة أن يتأمل ويستنتج ويساهم في حلحلة معضلات وجودنا  لا أن ندع الأمر بين يدي شخص يقلبنا ذات اليمين وذات اليسار وهو في صولجان زائف وسلطة وهمية وامتيازات شخصية يبايع البشير وحمدوك والبرهان مثلما بايع أسلافه السير ونجت باشا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى