أخبارتقارير وتحقيقات

«غودفري» أول سفير أمريكي في الخرطوم بعد ربع قرن: بين حماية مصالح واشنطن ودعم الحكم المدني؟

“أتطلع إلى تعزيز علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع الشعب السوداني ودعم رغبتهم في دفع عجلة التحول الديمقراطي تحت قيادة مدنية” بهذه العبارات خاطب سفير واشنطن بالخرطوم جون غود فري، الشعب السوداني، وباللغة العربية أيضا، في فيديو تم بثه على صفحة سفارته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

التغيير: أمل محمد الحسن

بتاريخ الأول من سبتمبر 2022، قدم السفير الأمريكي أوراق اعتماده لرئيس مجلس السيادة الانقلابي، عبد الفتاح البرهان، منهيا قطيعة امتدت لربع قرن منذ مغادرة أخر سفير للولايات المتحدة الأمريكية بالخرطوم.

https://fb.watch/fgi7aT97Uv/

ويصادف أن يتم تغيير السفير السوداني بواشنطن بالتزامن مع وصول السفير الأميركي للخرطوم.

وفق مصادر دبلوماسية مطلعة سيصل السفير محمد عبد الله إدريس لواشنطن اليوم الخميس، 1 سبتمبر لتسلم مهامه.

وأنهى الدبلوماسي المعتق، الذي شغل منصب وزير الدولة بالخارجية في عهد النظام المباد فترة خدمته مؤخرا في المملكة المتحدة، قبل أن يتم تعيينه سفيرا لدى واشنطن.

ووصول “غودفري” للخرطوم هو نتاج ترتيبات سابقة بين البلدين تمت في العام 2019 بعد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في عهد الحكومة الأولى لرئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.

التطبيع مع الانقلاب

تعيين واشنطن لسفيرها في ظل الراهن السياسي، قد يمنح للبعض إشارات سالبة حول تطبيع أمريكا مع الوضع الانقلابي.

وهو الأمر الذي لم ينفه دبلوماسي رفيع بالخارجية السودانية، مفضلا حجب اسمه، عندما أكد لـ(التغيير) أن أولويات واشنطن تنصب في مصالحها الاستراتيجية المتمثلة في اثبات وجودها مقابل الوجود الروسي من جهة، وضمان استقرار المنقطة الأمني من جهة اخرى.

وأشار الدبلوماسي الرفيع إلى الأوضاع المتدهورة في اثيوبيا ووجود مجلس عسكري انتقالي في تشاد، وتعدد الحكومات في ليبيا.

إلى جانب عدم الاستقرار في مناطق اليمن وسوريا، الأمر الذي تسعى أمريكا إلى عدم تفاقمه بأي حال بانفجار جديد في السودان.

من جهته، وبصورة قاطعة أكد سفير السودان السابق لدى واشنطن نور الدين ساتي، أن أمريكا لا تؤيد سياسات العسكر، وأن سياساتها الخارجية تؤكد التزامها بالوقوف إلى جانب الشعوب التي تواجه أنظمة سياسية مستبدة.

تعيين سفير أمريكي في الخرطوم ليس هدية للحكم العسكري

وكشف “ساتي” في لقاء له مع برنامج المسائية على قناة الجزيرة القطرية، عن لقاءات جمعته بالسفير “غودفري” أكد عبرها أنه سيسعى لفتح قنوات مع جميع مكونات المشهد السياسي والمدني في السودان.

وقال إن هذا القرار يمثل اعترافا بموقع السودان الجديد والمهم في الخريطة السياسية الأمريكية داخل القارة الأفريقية.

دعم الحكم المدني

منذ اللحظة التي وضع فيها “غودفري” أقدامه في مطار الخرطوم وكل حديثه يحوم حول دعم الحكم المدني، ونقتبس عنه ما كتبه في تغريدة فور لقاءه بوزير الخارجية المكلف علي الصادق قوله: “تحدثت حول أهمية تأسيس حكومة جديدة بقيادة مدنية وهو مفتاح لتسهيل تعاون أكبر بين الحكومات وزيادة التعاون الأمريكي والدولي”.

من جانبه أكد الدبلوماسي الخبير في الشأن الأمريكي؛ اهتمام واشنطن الواضح بعملية الانتقال الديمقراطي في السودان.

وقال لـ (التغيير): إن وجود السفير الأمريكي من داخل الخرطوم يسهل عملية تداخل واشنطن في دفع عملية الانتقال الديمقراطي.

واشار إلى أن ما يمكن الدبلوماسي بدرجة سفير من فعله، وما يسمح به البروتوكول من لقاء شخصيات مثل قائد الانقلاب، أمر لا يتاح للدبوماسيين بدرجات أقل.

اتفق مع “ساتي” الناطق باسم المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، والقيادي بحزب الأمة، الصديق الصادق المهدي، والذي أكد أن عملية إجازة تبادل السفراء أمر حققته الحكومة الانتقالية المدنية.

وقال المهدي لـ (التغيير): “أمريكا مهتمة جدا بالشأن السوداني وخلال الفترة الانتقالية دعمت التحول الديمقراطي بشكل كبير ولا تريد ترك السودان للانزلاق وأن يصبح مرتعا للتطرف والإرهاب”.

الصديق الصادق المهدي: أمريكا لا تريد ترك السودان للانزلاق وتحوله لمرتع للارهابيين

وعدد “المهدي” الدعم الاقتصادي المتمثل في مسار اعفاء الديون، وقال: “مديرة صندوق النقد الدولي قالت إن مسار اعفاء ديون الخرطوم كان الأسرع في تاريخ الصندوق”.

وأشار القيادي بحزب الأمة، إلى القرض التجسيري بقيمة 1.4 مليون دولار، لسداد دين الصندوق، وقيمة المساعدات العينية 2 مليون طن من الغذاء، ومنحة مادية بقيمة 700 مليون دولار.

وأضاف:” كل الدعم الاقتصادي توقف بعد انقلاب العسكر في 25 أكتوبر إلا أن الدعم السياسي لم يتوقف، مدللا بتسهيل مساعدة وزير الخارجية الأمريكي مولي في للقاء المباشر مع العسكر الذي قامت بترتيبه بالتنسيق مع السفير السعودي بالخرطوم.

ساحة صراع

لا يمكن التعامل مع وجود الولايات المتحدة الأمريكية في الخرطوم بمعزل عن الحرب الروسية الأوكرانية، وعملية بناء الحلفاء التي يسعى لها كل من بايدن وبوتين بشكل حثيث ومكثف.

ووفق مصادر مؤكدة تحدثت لـ (التغيير) عقدت الإعلامية نعمة الباقر، عددا من اللقاءات مع مسؤولين أمريكيين رفيعين في الخارجية والكونغرس فور نشرها لتقرير استقصائي لها حول تهريب ذهب السودان إلى موسكو على قناة (سي ان ان).

ووفق الناطق الرسمي باسم المجلس المركزي للحرية والتغيير، فإن وصول “غودفري” لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المنافسة الدولية بين أمريكا وروسيا والصين.

واتفق معه أستاذ العلوم السياسية راشد الشيخ، الذي وصف العلاقة الحالية بين الخرطوم وواشنطن بأنها انتقلت إلى ما يعرف ب”الوقائع القائمة”.

شارحا المصطلح بأنه يعني البعد الاستراتيجي لمصالح أمريكا في المنطقة مقروء مع التنافس الروسي والاقتصادي الصيني في افريقيا.

وقال “الشيخ” لـ (التغيير)، إن خلفية السفير الاستخباراتية تؤكد أن مهامه ذات صبغة أمنية بحتة.

وشدد على تطور العلاقات بين البلدين في اتجاه كبح جماح التقدم الروسي في المنطقة من جهة والتقدم الاقتصادي الصيني من جهة أخرى.

استاذ علوم سياسية: خلفية السفير الاستخباراتية تؤكد أن مهامه في الخرطوم ذات صبغة أمنية بحتة

خطة أمريكا في السودان وفق الخبير أستاذ العلوم السياسية، تشمل رفع كفاءة الاقتصاد السوداني والاستفادة من دعم حلفائها، الامارات على المستوى الأمني والسعودية على المستوى السياسي.

وما أشار إليه أستاذ العلوم السياسية، يتطابق مع الاستراتيجية الامريكية لدول افريقيا جنوب الصحراء المنشورة في أغسطس 2022.

وستستمر خطة الولايات المتحدة تجاه تطوير الاقتصاد السوداني طوال 6 أعوام وفق استاذ العلوم السياسية، ستتطور فيها العلاقة بين البلدين وتمنح فيها واشنطن الخرطوم أدوارا محورية بعد زيادة وزنها إقليميا وتعافيها اقتصاديا.

وبحسب “الشيخ” فإن العلاقات الثنائية الآن متوفقة في مرحلة “التبريد” متوقعا انتقالها إلى خانة التعامل المباشر.

وذلك عبر أدوار وظيفية تقوم بها الدول المحورية في المنطقة (السعودية والامارات وإسرائيل)، إلى جانب بعض الأدوار للدول المحورية المساعدة (قطر ومصر).

مستقبل العلاقات

“أريد أن اجوب جميع السودان واتعرف على الكرم السوداني”، هذا ما أكده السفير الأمريكي الذي وصل الخرطوم منهيا قطيعة دبلوماسية استمرت لعقود وسط تغييرات اقتصادية وسياسية هائلة في العالم.

وأعلن تحالف قوى الحرية والتغيير ترحيبه به عبر ناطقها الرسمي الصديق الصادق المهدي، والذي قال: “نرحب بقدوم السفير الأمريكي ونتمنى أن يوفق في قيادة موقف دولته لمساعدة السودانيين على إيجاد مخرج ينهي الوضع الانقلابي وينقل بلدهم لمسار التحول المدني الديمقراطي ويحقق السلام والعدالة والامن والتنمية”.

ترحيب “الحرية والتغيير” بالسفير الأمريكي يعرب عن تعويل شعبي وسياسي كبير على الدور الأمريكي في ممارسة الضغوط الكافية على النظام الانقلابي للدفع بعجلة التحول المدني الديمقراطي في البلاد.

بجانب تغيير الواقع الذي يعاني من انهيار اقتصادي مصحوب بخسائر الكوارث الطبيعية والفيضانات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى