أخبارتقارير وتحقيقات

السودان: إقليم النيل الأزرق.. من أشعل النيران؟ 

شهد إقليم النيل الأزرق- جنوب شرقي السودان- مؤخراً أحداث عنف أهلي غير مسبوق، سقط ضحيته أكثر من مائة قتيل فضلا عن اعداد كبيرة من الجرحى والمشردين ، تاركاً استفهاماً كبيراً عمن يقف وراء إشعال النيران!!

التغيير: الخرطوم: علاء الدين موسى

الصراع في إقليم النيل الأزرق، ظل يتجدّد بين الفينة والأخرى بين مكونات كانت متعايشة لعشرات السنين دون احتكاك أو نزاع، لكن بعد توقيع اتفاق جوبا لسلام السودان وتقسيم السلطة، بدأ الصراع يتخذ منحىًّ عنيفاً عنوانه القتل والحرق والدمار،ورغم الوجود العسكري والشرطي والأمني الكثيف للحكومة في الإقليم الا ان القوات النظامية حسب مراقبين ظلت لايام تتفرج على المواطنين يذبحون بعضهم البعض مما يدل على ان هناك تواطؤ رسمي مع حالة تأجيج الفتن العرقيةلإضعافالإقليم بالكامل.

تجدّد الاشتباك

الخميس قبل الماضي، تجدّدت الإشتباكات بمدينة الرصيرص بين قبيلتي الهمج والهوسا، وخلفت «9» قتلى بمنطقة قنيص شرق، و«13» آخرين بمجمع طيبة القرآني بالمدينة التعليمية، و«26» جريحاً بحسب وزير الصحة بالإقليم جمال ناصر.

أسباب النزاع

وبحسب شهود عيان، أن تجدّد الأحداث يعود إلى شروع لجنة المصالحات في تنوير سكان حي قنيص شرق بوثيقة المصالحات التي تمّت مؤخراً، واستصحابها عدداً من النازحين من الهوسا والشروع في إعادتهم لذات الحي، الأمر الذي اعتبره سكان قنيص استفزازاً لهم، وقاموا بحرق المئات من منازل الهوسا.

كما شهدت مدينة أمدرفا صباح الجمعة، أحداثا عاصفة قتل فيها (13) شخصاً، وأصيب «26» آخرون تم نقلهم إلى مستشفى الدمازين لتلقي العلاج.

وصاحب ذلك حرق مئات المنازل المملوكة للهمج والفونج بالمنطقة من قبل الهوسا، ما استدعى إرسال تعزيزات أمنية مكثفة لحسم الفوضى التي عمت محافظة ود الماحي شرق الرصيرص، والمتاخمة للحدود مع إثيوبيا.

لجنة تحقيق

وكانت لجنة أمن الولاية قالت في وقتٍ سابق، إن الأحداث القبلية المؤسفة تجدّدت عصر الخميس بمنطقة قنيص شرق، ومجمّع طيبة الإسلامي في مدينة الروصيرص، دون أسباب واضحة.

وقرّرت السلطات تشكيل لجنة تحقيق تضم ممثلين من القوات النظامية، لمعرفة الملابسات وإعادة حظر التجول في الدمازين والروصيرص من الثامنة مساءً وحتى الخامسة صباحاً، ومنع التجمعات غير الضرورية.

وناشدت اللجنة المواطنين للالتزام بالقرارات والتعاون مع الأجهزة الأمنية لحفظ الأمن وضبط المتفلتين والجناة وتقديمهم للعدالة.

ولكن تاريخ السودان القريب والبعيد مع لجان التحقيق يشهد بأنها “مقبرة رسمية” لما يحدث.

عنف متجدّد

في 15 يوليو الماضي، شهدت النيل الأزرق اشتباكات قبلية أسفرت عن «109» قتلى وعشرات المصابين، وفق وزير الصحة جمال ناصر.

وفي 25 من الشهر نفسه، كشفت الأمم المتحدة عن نزوح أكثر من «31» ألف شخص، جراء الاشتباكات.

وأعرب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السودان فولكر بيرتس عن تضامنه مع ضحايا العنف في النيل الأزرق.

وشدّد على حق كل سوداني في العيش بأمان وكرامة بغض النظر عن العرق أو الدين أو الأصل الجغرافي أو الانتماء السياسي أو النوع الاجتماعي.

وأكد أهمية معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات واتخاذ خطوات ملموسة لتعزيز التسامح والتعايش السلمي.

أين هي الأيدي الخفية التي تحرك النزاع؟

هناك آراء مختلفة في الاجابة على هذا السؤال، إلا أنها اتفقت في ان الأمر ليس محض كراهية بين قبائل الهوسا ومن يسمون انفسهم “سكان الاقليم الأصليين” من قبائل الهمج والفونج وغيرهم، بل هناك سياسات من “السلطة الانقلابية” من جهة، ومن القوى السياسية المتنافسة على السلطة في الاقليم وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير السودان بجناحيها من جهة اخرى ، هذه السياسات هي وقود الاقتال الذي ظاهره “صراع قبلي بين الهوسا والهمج” وباطنه صراع سياسي متعدد الجهات ومتباين المصالح! كيف ذلك!.

مصدر من المجتمع المدني – فضل حجب هويته- قال ان اتفاقية جوبا للسلام التي كانت نتيجة تطبيقها تمليك حصة النيل الازرق في السلطة والثروة للحركة الشعبية بقيادة مالك عقار، أثارت حفيظة مكونات اجتماعية واثنية في الاقليم خارج الحركة الشعبية- عقار، الامر الذي دفع عقار لتحالفات سياسية لتوسيع قاعدته الاجتماعية.

وأن الحديث عن انشاء نظارة للهوسا يأتي في هذا الإطار، أما خطأ الحكومة فهو الوقوف موقف المتفرج من خطاب الكراهية الصارخ الذي بلغ حد مطالبة قيادات أهلية بنزع الرقم الوطني من قبائل الهوسا في خطب مشهودة امام مقرات حكومية.

حسب المصدر ان الحكومة لو كانت جادة في احتواء العنف لتم القبض على كل من يروج لخطاب الكراهية وتجريد الهوسا كمواطنين سودانيين من ارقامهم الوطنية.

ولما سمحت بالعبث في نظام الادارة الاهلية بارتجال نظارات هي تعلم سلفا انها ستثير الفتن. وأضاف المصدر الحكومة الانقلابية مثل حكومات المؤتمر الوطني المحلول تريد اشعال الاقاليم لتثبت انها غير مؤهلة للحكم الذاتي وغير جديرة باي سلطة وبالتالي ترجح خيار الحكم المركزي.

حسم بالسلاح

وإزاء الأحداث، أقر حاكم النيل الأزرق أحمد العمدة، بأن النزاعات القبلية في الإقليم تعيق عملية السلام.

وقال إن حكومته حريصة على أن يعيش السكان في وحدة وسلام، وناشدهم بالعمل على نبذ القَبَلية والكراهية.

وأوضح بادي أن انتشار خطاب الكراهية في الإقليم هو أحد أسباب الأزمة الحالية.

وأكد أن أجهزة الدولة ستفرض النظام والقانون ولن تسمح لمثل هذه الخطابات أن تمزق النسيج الاجتماعي.

ووجّه القوات الأمنية للتعامل بالحسم بقوة السلاح، وأضاف: “نقول للأجهزة الأمنية أي شخص يحمل سلاح ضرب مواطناً تعاملوا معه عسكرياً”.

تحمل المسؤولية

واعتبر مراقبون أن سلطات الإقليم تتحمّل مسؤولية تجدّد الاشتباكات بعدم حسمها للتفلتات في بدايتها.

وأشاروا إلى أن الأجهزة الأمنية بالإقليم ظلت تتفرّج على الحرق والنهب لمنازل مكون الهوسا وكأن الأمر لا يعنيها.

وطالبوا حكومة الإقليم بتحمل مسؤولياتها كاملة والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف حتى لا يتجدّد الصراع ويتمدّد لولايات أخرى.

تعليق الدراسة باقليم النيل الأزرق…..

ضبط أسلحة

وكانت سلطات الإقليم قالت إنها ضبطت سيارة “بوكس” محمّلة بالأسلحة، داخل منزل أحد قيادات الهوسا بحي قنيص شرق.

لكن عبد الفتاح الأمين مصطفى من قبيلة الهوسا- أحد أطراف الصراع- نفى وجود سيارة محمّلة بالأسلحة في المنطقة.

ووصف ما حدث بأنه “فبركة” للنيل من مواطني الهوسا، مثل شائعة مطالبة الهوسا بإمارة في المنطقة.

وقال مصطفى لـ«التغيير»، إن الأمارة موجودة منذ العام 1993م باعتراف رئيس الحركة الشعبية مالك عقار خلال خطاب شهير له.

فيما اعتبر مك عموم قبائل النيل الأزرق الفاتح المك، أن ما جرى صراع قبلي بين مكونين اجتماعيين، وأن فئة من الهوسا طالبت بإنشاء إمارة جديدة للقبيلة رغم أنف أهل المنطقة.

وعبّر عن أمله ألا يتكرّر ما حدث من كارثة في أي منطقة.

تآمر

ونبّه عبد الفتاح الأمين، إلى وجود ما أسماه تعبئة وتحالفات بين القبائل التي تتآمر لطرد الهوسا من الإقليم ومن ثم سحب الأرقام الوطنية منهم.

وقال إن الحكومة لم تتحرّك لحماية الهوسا الذين تتعرّض منازلهم للنهب بمنطقة قنيص شرق، مما اضطر أعدادا كبيرة منهم لمغادرة المنطقة حفاظاً على الأرواح والممتلكات.

وحمّل عبد الفتاح حكومة الإقليم مسؤولية ما حدث، وقال: «إذا أرادت حسم الفوضى منذ البداية لفعلت، لكنها فضلت أن تتفرّج على الاشتباكات التي راح ضحيتها العشرات وجرح وتشريد الآلاف كأن الأمر لا يعنيها».

وتوقّع عودة الاشتباكات في أي لحظة في ظل التعبئة المستمرة ضد قبيلة الهوسا من عدد من قبائل الإقليم.

أيادٍ داخلية وخارجية

فيما نفى وزير الصحة بالإقليم، أن تكون الحكومة جزءاً من الصراع أو منحازه إلى أي من الأطراف.

واتهم جمال ناصر جهات داخلية وخارجية- لم يسمها- بتأجيج الصراع في الإقليم.
وقال إن أصحاب الأجندة وتجار الحرب من الرافضين لاتفاق سلام جوبا سعوا لتأجيج الصراع بين الاثنيتين.

وأضاف: «هنالك دول لديها منافع تستخدم تجار الحرب الذين يقبضون بالدولار لتأجيج الصراع في الإقليم».

وتساءل الوزير: «لماذا تم تأجيج الصراع في هذا التوقيت بالذات».

وقال: «الذين يريدون الجلوس على كراسي الحكم لا يهمهم أن يجلسوا على جماجم الشعب».

وشدّد على أن حكومة الإقليم تسعى إلى رتق النسيج الاجتماعي ووحدة الشعب «وهذا يتطلب من الحكومة والجيران من الدول الشقيقة دعم التعايش السلمي في الإقليم».

أحداث العنف بالنيل الأزرق

اتهامات باطلة

فيما فنّد خليل أبو حواء، القيادي بالحركة الشعبية- شمال قيادة الحلو، اتهامات وزير الصحة بأن تكون جهات رافضة لسلام جوبا هي من تؤجج الصراع.

وقال لـ«التغيير»، إن هذه اتهامات باطلة تطلق في الهواء ولا تستند على أدلة وبراهين.

وأضاف: «على من يطلق هذه الاتهامات أن يأتي بالأدلة والبراهين، حتى يصل الكل لتورط جهة بعينها سواء كانت الحركة الشعبية جناح الحلو أو غيرها في هذا الصراع».

يذكر ان معارك ضارية وقعت بعد انشقاق الحركة الشعبية الى جناحين احدهما بقيادة عبد العزيز الحلو والاخر بقيادة مالك عقار راح ضحيتها مئات القتلى والجرحى من المدنيين وارتكبت فيها جرائم اغتصاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى