أخبارأعمدة ومقالات

خصخصة التعليم.. الجزء الظاهر من جبل الجليد «2»

محمد إبراهيم علي

خصخصة التعليم.. الجزء الظاهر من جبل الجليد «2»

* محمد إبراهيم علي

– في المقال السابق تناولنا الآثار السلبية للسياسات الاقتصادية لطغمة المؤتمر الوطني على الخدمات الإجتماعية للمواطن وركزنا على التعليم.

– مواصلة في ذات الإطار الذي بدأناه في موضوع المدارس النموذجية كمظهر من مظاهر الخصخصة ومحاولات الخداع نركز في هذا المقال على المحاور الآتية:-

▪ التعليم حق وليس منحة

▪ مجانية التعليم العام وإلزاميته وديمقراطيته

▪ الاتاحة والجودة والعدل والانصاف

* المحور الاول:

التعليم حق وليس منحة

– مرت الإنسانية في نهضتها وتطورها ورقيها بمراحل وكان لكل مرحلة من هذه المراحل سمات تميّزها عن غيرها والسمة المميزة لهذه الحقبة التي نعيشها بروز وسيادة ثقافة حقوق الإنسان إذ أصبح المعيار لرقي الدول وتطورها هو مدى تمسكها وصيانتها لهذه الحقوق.

– ومن أهم الحقوق حق الإنسان في التعليم وخاصة التعليم العام ويشمل المرحلة الإبتدائية والمتوسطة والثانوية فأصبح لزاماً على كل الدول توفير التعليم للأطفال الذين هم في سن التمدرس.

– وحفاظاً على استمرار الطلاب في الدراسة عملت كثير من الدول على اعتبار أن امتحان نهاية المرحلة امتحان نقل عادي وزادت من نسبة أعمال السنة عكس ما يحدث عندنا حيث يتسرّب عدد كبير من الطلاب بعد نهاية كل مرحلة.

* المحور الثاني:

مجانية التعليم العام وإلزاميته وديمقراطيته

– يُعد هذا المبدأ من المبادئ المهمة في محاربة الفقر وتوفير الكوادر البشرية المؤهلة التي تقود النهضة والتنمية والتطور، وفي العهود السابقة من تاريخ السودان ساعدت مجانية التعليم في انتشال كثير من سكان الريف من دائرة الفقر عن طريق فرص التعليم المجاني التي توفّرت لأبنائهم فتوسّدوا وظائف ساهمت في تحسين المستوي الاقتصادي والإجتماعي والثقافي لهم ولأسرهم ومجتمعاتهم.

وكانت الهجرة للعناصر المتعلّمة والمؤهلة لدول النفط، وقد جلبت هذه الهجرات مبالغ مهولة دعمت خزينة الدولة، واكتسبت هذه العناصر خبرات ومعارف جديدة ساهمت بها في تطور البلاد.

– وحتى أقاصي الريف السوداني لم تعرف التسرّب الدراسي إلا بعد تخلي الدولة عن واجبها وتوجهها بكلياتها لخصخصة الخدمات الإجتماعية من صحة وتعليم، وانتقلت هذه الظاهرة للمدن ونلاحظ أن الأسواق تعج بالأطفال الذين هم في سن الدراسة وفي هذا زيادة وتكريس للفقر ودفع بهؤلاء الأطفال إلى عالم الجريمة حيث يتم استغلالهم في تجارة المخدرات والرق الأبيض، وانتشرت ظاهرة الحمل خارج مؤسسة الزواج وزواج القاصرات وغير ذلك من الظواهر الإجتماعية السالبة الناتجة من تفشي الأمية.

– وما حدث في امتحانات شهادة الأساس مؤشر خطير لزيادة الفاقد التربوي وذلك بابتداع نظام الملاحق للتلاميذ الراسبين بدلاً عن الإعادة ورفع درجة الاستعاب للمرحلة الثانوية لـ175 درجة، وهنا لابد من الإشارة إلى أنه في العام السابق كان عدد التلاميذ الحاصلين على الدرجات ما بين 140 درجة  و167 درجة كان قرابة (10 آلاف تلميذ وتلميذة) فكم سيكون العدد بين 140 و175 درجة هذا العام؟؟!!!.

– وكذلك سوف يزيد الفاقد التربوي لتراجع أعداد المقبولين نتيجة لتحويل بعض المدارس لمدارس نموذجية فمثلاً مدرسة كانت تقبل 10 فصول للصف الأول والآن سوف تقبل 3 فصول!!! (وهذا سوف نعود له بالتفصيل لاحقاً).

– إن ديمقراطية التعليم تستدعي المساواة في الحصول على فرص التعليم مع عدالة المنافسة، ولكن بالتجربة والغوص في الواقع نجد أن هذا غير متوفر فما زالت فرص تعليم البنات دون المطلوب وما زالت الفرص متوفرة في المدن أكثر من الريف، كما نجد التحيّز الواضح في المناهج لثقافة على حساب ثقافات أخرى.

* المحور الثالث:

الاتاحة والجودة والانصاف

– وهذا هدف من أهداف التنمية المستدامة حيث ينادي كل العالم بتوفير تعليم جيد ومنصف للأطفال الذين هم في سن التمدرس، ولكن بكل أسف الوضع في السودان متخلّف جداً عن العالم بفضل رفع الدولة يدها عن التعليم لفترة استمرت ثلاثين عاماً وتركت الأمر للمواطن الذي يعاني من الفقر وقصور اليد، وهناك مؤشر سلبي يشير إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين طفل في سن التمدرس لا يجدون فرصاً للالتحاق بالدراسة.

– يضاف لذلك النقص الحاد في الإجلاس والكتاب المدرسي والمعلم المدرب.

– وعلى مستوى الجودة فكل المؤشرات تشير إلى تخلّف السودان في هذا الجانب، فنجد القصور في المناهج والمقرّرات الدراسية وإعداد وتدريب المعلمين وطرق ووسائل القياس والتقويم والبيئة المدرسية.

– والمخرج في ذلك يتمثّل زيادة الانفاق الحكومي على التعليم ومواكبة التطور العلمي العالمي.

– ولحل موضوع الاستيعاب لابد من الخروج عن التفكير النمطي التقليدي والمتمثّل في بناء المدارس والذي يبدو الآن غير متاح لعدة نواحٍ منها ضعف الموارد والاعتماد على نظام الدوامين وصرف حوافز للمعلمين والمعلمات للعمل على تقليل هذا الهدر.

– ولابد من الإشارة للآتي:-

✓ الهجرة الكبيرة من الريف للمدن لعدم التوازن في التنمية وفقدان الخدمات والحروب والنزاعات كل ذلك أدى لتشويه الخريطة التعليمية فنجد الاكتظاظ الشديد في بعض المدن وإغلاق مدارس في بعض الأرياف بسبب هجرة الأسر خارج هذه المنطقة.

✓ رفع الدولة يدها عن الصرف على التعليم زاد العبء الاقتصادي على المواطن وزاد من الفاقد التربوي.

✓ نظام الامتحانات والتقويم المظهري أدى لبروز ظواهر سالبة كثيرة منها:-

** تصفية التلاميذ ذوي المستويات الضعيفة بالإعادة أو الجلوس باسم اتحاد المعلمين.

✔ هجرة الطلاب لمدارس في السنة الأخيرة وخاصة ذوو المستويات الرفيعة وفي هذا تغول لحق المدرسة التي بذلت مجهوداً كبيراً لإعداد هذا الطالب.

✓ غياب الممارسة الديمقراطية طوال ثلاثين عاماً ساهم في التمكين الإخوانى والسيطرة لعناصر تفقد الكفاءة والخبرة على المناصب الإدارية وحرمان غير الموالين.

نواصل…

* المدير العام السابق لوزارة التربية والتعليم- ولاية الخرطوم

خصخصة التعليم.. الجزء الظاهر من جبل الجليد «1»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى