أخبارأعمدة ومقالات

بناية البصّاصين

مهدي رابح
على مرمي حجر ، وفي منتصف الطريق الذي اسلكه عادة منذ سنوات أثناء رياضتي الصباحية، بناية من أربع طوابق تحوي حوالي ثمانية مساكن، بائسة التصميم، كئيبة ، تسيل من على جنباتها مياه آسنة متسرّبة من كل أنابيب شبكات صرفها الصحي، شنيعة لكن رغم ذلك دون تناقض صارخ مع ما حولها من بنايات، أو مع ما حولها من مدينة تزداد تدهورا وتعفّناً كل يوم، مدينة تخطّت لحظة الوفاة الي مرحلة التفسُّخ وانتشار الديدان في كل مفاصلها، قبحٌ أينما يممت وجهك شطره يحتويك برائحته الكريهة النفّاذة.
نعم، في قلب مهرجان التعاسة هذا تقع هذه البناية، بناية البصاصّين، أو “الامنجيّة” إن راق لك ذلك، وهو امر لا يحتاج إلى كثير عناء لاستنتاجه نظرا للحارس القابع ليلا ونهارا امام مبنى صغير ملحق بالمدخل، والذي يعمل ما بوسعه لابراز سلاحه الذي لا يخفيه علي احد من تحت تلافيف ملابسه المدنية ونظرا للغة جسده التي تتوسّل تقديرا وعرفاناً بسلطته المتوّهمة كعضو أصيل في قبيلة البصاصين، لغة جسد تجاهد منح انطباع بامتلاك المكان، الفضاء،. العالم.. سمّه ما شئت لكن يسميها علماء النفس عادة بمؤشرات الاصابة بدرجة من درجات ال Megalomania ، أو جنون العظمة (وهو حالة من تصوُّر الشخص لنفسه بما يخالف الواقع فيدعي حينها امتلاك سلطة استثنائية وقدرات جبارة أو مواهب مميزة أو أموال طائلة أو علاقات مهمة… الخ ).
البنايات مرآة قاطنيها، البنايات كائنات حية، تولد (تشيّد) ثم تموت (تهدم او تنهار)، وما بين الولادة والموت، فإنه لا يهم ان كانت ضخمة او ضئيلة، قديمة او جديدة، جميلة ظاهرا او قبيحة، حياتها قصيرة او طويلة ، ذاخرة او قاحلة، ما يهم بالفعل هو جوهر ما تعيشه، ما يعيشه قاطنيها، فبعضها سعيد نظيف متناسق الألوان تحفه حديقة جميلة بغض النظر عن مساحتها، بعضها متهاوٍ مهجور تسكن فيه العناكب وتنعق من على اسطحه الغربان، بعضها كئيب ينتحب حزناً، بعضها الآخر مقيت يعطيك الاحساس بأن كل ما فيها خاطئ وان شرا مستطيرا سيخرج من بين نوافذها و أبوابها في اية لحظة، نعم تلك هي بناية البصّاصين التي اقصد.
عبر الأزمان المتعاقبة مر هذا هذا الكائن المقيت بمراحل عدة، فقبل سنوات سبع، تزيد او تنقص قليلاً، اي مع تاريخ بداية تسكّعي الصباحي الباكر في الشوارع تحت شعار “الرياضة للجميع” مناشدا كرشي المتمرد مع كل قطرة عرق تسيل ان ينزوي بعيدا عن الأعين الفضولية، كانت البناية تضج بالحياة ، حركة دؤوبة لكنها منضبطة ، حوائط اكثر نظافة لم تتسرب بين مساماتها المياه الآسنة بعد، مركبات جهاز أمن معتادة تقف امامها بانتظام (غالبها من نوع البوكس المظلّل دون لوحات بالطبع) ووجوه واثقة تخرج من بوابتها دون خجل، مع بداية ثورة ديسمبر وما تلاها، اي بعد خروجي من العزلة اوستة وتسعين يوما من استضافتي القسريّة في معتقلاتهم، تغيّر الحال بصورة مذهلة، فالسيارات المتوقفة باهتة متضعضعة، الوجوه مكفهرّة والبناية التعيسة اصلا بدأت حينها رحلتها نحو الضياع، اما الآن، في عهد الانقلابيين أبناء الخطيئة، فالسيارات المتوقفة بصورة عشوائية فارهة جدا ومظللة بالطبع، بعضها تفوق قيمته قيمة تشييد مدرسة ابتدائية في احد اصقاع الهامش المغلوب على امره، لكن لا حراك امامها، سكون اشبه بالموات ، والحارس، نعم ذاك المصاب بجنون العظمة، متحصّن داخل المبنى الصغير الملحق، متوارياً عن الانظار والبناية في حالة من البؤس لا يفيه وصفي السابق حقّه.
المدينة مرآة قاطنيها ، بناية البصاصين مرآة سكانيها، بشر اختاروا الظلام على الضوء، القبح على الجمال، نفر على يقين ان الوضع الراهن هش يحمل بذور فناءه القادم بسرعة الضوء في احشائه ومن الأفضل اذا الاستحواذ بليلٍ على كل ما خف وزنه وغلا ثمنه، الآن، اليوم، ولتشرق الشمس غداً صباحا على بناية منهارة او مدينة متهاوية أو بلادٍ تخطو بثبات مرعب نحو الجحيم، لا يهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى