أخبارأعمدة ومقالات

الظرف الثوري وضحالة الخطاب السياسي: فداحة «هل كان ينبغي علي أن لا أعمل في سيمنز»؟

بكري الجاك

الظرف الثوري وضحالة الخطاب السياسي: فداحة «هل كان ينبغي علي أن لا أعمل في سيمنز»؟

بكري الجاك

الكاتب الروائي الالماني بيرهارد شلنك Bernhard Schlink اصدر روايته The Reader في عام 1995 وبرغم أن الرواية وجدت رواجا معقولا في حينها الا أن الفيلم الذي بُني علي نفس احداث الرواية وبنفس العنوان في عام 2008 قد اعطى رواجا واسع النطاق للقصة التي في حقيقة الأمر بنيت على مقاربات لاحداث وشخصيات حقيقية ابان فترة النازية و الحرب العالمية الثانية.

في الفيلم الذي اخرجه ستيفن دالدري Stephen Daldry وكتبه السينارست ديفد هارا David Hare وبطولة كل من المخضرمة كيت وينسلت Kate Winslet وديفيد كروس David Cross، حيث لعبت وينسلت دور امرأة بسيطة وأمية وقد تم تجنيدها للعمل في جهاز الـSchutzstaffel والذي اشتهر بالـSS او ما يمكن ترجمته للانجليزية بالـProtection Squad او مجموعة الحماية، وهذا الجهاز كان بمثابة العقل الأمني والاستخباراتي للنازية ولعب دورا شنيعا في اجادة القتل والسحل والتعذيب الذي طال اليهود ومجموعات الـ روما و المثليين وغيرهم، ولعب كروس دور شاب مراهق تعرف على وينسلت واكتشف معها عوالم الرغبة الجامحة.

وبالرغم من أن في الفيلم قصة غرامية وأحداث درامية الا أن ما يهمني في هذا السرد هو الحوار الذي دار بين القاضي في محاكمات نورنبيرق التي حوكم فيها عدد من الذين كان من ضمن السلطة النازية وخصوصا اعضاء وعضوات في الـSS وبعد أن ادلى احد الشهود بشهادته قائلا بأن كيت ونسلت كانت تقوم بجمع بعض صغار ابناء اليهود المعتلقين في معسكرات المحارق وتعاملهم بطريقة خاصة ولطف وحميمية وتطلب منهم أن يقرأو لها في المساء وعندما يأتي دور هؤلاء الاطفال في الذهاب الى ما عرف بالـGas Chambers او محارق الغاز حيث سيقتلون بطريقة الحرق التي تحيل اجسادهم الى محض رماد وذلك بقصد تجويد فن القتل والبراعة في تخفيف كلفة التخلص من الجثث وأيضاً لاخفاء اثار الجرائم،

وبعد أن تلا الشهود تلك الوقائع وأن شخصية كيت ونسلت كانت لا ترتبط عاطفيا باي من الاطفال الذين يقرأون لها وانها لا يرف لها جفن حين قتلهم حيث كانت تقوم مباشرة بتبني مجموعة أخرى من الاطفال، في الحوار سأل القاضي إن كان ما قال به الشهود صحيح؟ فكان رد كيت ونسلت Do you mean I shouldn’t have worked for Siemens? أي هل تقصد أنني ما كان ينبغي علي العمل في شركة سيمنز سيدي؟ وسيمنز هي مكان عملها الاول الذي منه جُندت الى المشاركة في فظائع النازية.

بالطبع ذُهل القاضي والمحامين وطلاب القانون، الذين كانوا برفقة حبيبها المراهق كروس الذي صار استاذا للقانون، وبقية الذين كانوا يحضرون المداولات ربما من أمرين: أولا مدى بساطة وجهل هذه المرأة التي لم تمكنها معرفة عمق وبشاعة ما تفعل، وثانيا مدى برودها حيال فداحة ما تم وما شاركت هي في صنيعه.

حيال ما يحدث في بلادنا اليوم من كوارث وما يحيط بها من مخاطر، وما يحدث للحراك الثوري من تشرذم وتكالب وتسطيح، اجد أن خير وصف للخطاب السياسي لجل الفاعلين السياسيين في الوقت الراهن وإن تباينت تصوراتهم ودفوعاتهم عن مواقفهم وادعائهم جميعا بالتفوق الاخلاقي في خياراتهم وفي فهم ما هو افضل للشعب السوداني، اجد ايضا أن الموقف من ازاء هذه التحديات هو هذا الخطاب السياسي في كلياته وهو يماثل في فداحته قول كيت وينسلت للقاضي: هل تقصد أنني ما كان يجب علي أن اعمل في سيمنز؟ و هو كأن يتكبد البعض مشاق المعرفة والبحث والعمل الميداني والذهني على أمل ان تستشرف افقاً جديداً وانتاجاً معرفياً وأن تأتيك حفنة من طينة شخصية وينسلت لتقول بكل بساطة حتى دون محاولة الفهم والتأني أن هذا “كلام ساي و و و الخ الاوصاف” وهي فداحة لا تقل عن التقاصر في فهم هذه التحديات والتعاطي معها بشيء من دقة في التحليل والتصورات المنطقية التي تنتج رؤية بآليات قابلة للتنفيذ.

وللتدليل، هنالك مخاطر جمة ليس بي حاجة للتذكير بها في شأن البلاد، وعلى سبيل الذكر من بين هذه المخاطر حالة اختطاف الدولة واستغلالها كواجهة، الانهيار الاقتصادي الشامل، شبح الحروب الاهلية الماثل، تهتك النسيج الاجتماعي، توقف الحياة المدنية بالكامل، غياب الأمن والخوف الذي يعتري الجميع، اصرار المجتمع الدولي على حلول سريعة، وفوق ذلك شبح المجاعة الذي اصبح واقعاً عمليا وليس مجرد تحليل وتقديرات واحصاءات، فقط تحسسوا من حولكم.

على مستوى  الحراك الثوري هنالك تحديات جمة منها الذاتي المتمثل في الصراع حول المشروعية الذي من الأولى أن يقود الى تصورات حول تفاهمات تأسيسية لحد أعلى، الا انه يقود الى سباق نحو الحضيض قائم على الاحقية الثورية وادعاءات عن مدى اخلاقية بعض الفاعلين والمبارزة والمباهاة بالاسهامات النضالية، حالة التشظي والاحباط، ومن ثم انحطاط الخطاب السياسي الى مستوى يجعل من غير الممارسين للسياسية أكثر زهداً فيها بعد ان كان حراك ديسمبر هو بمثابة فتح الباب للدخول في صناعة القرارات العاملة بالاصالة والمشاركة، ولك ان ترى الصراعات بين قيادات القوى السياسية التي تتصارع في تفوق اخلاقي لا قيمة له الا في الرضاء عن الذات اذ لم ينجح أحد، مع اصرار الجميع بالصوابية وحجوة “ما قلنا ليكم”.

على المستوى الموضوعي اذا كانت الثورة عملية تاريخية طويلة تشمل تغييرات اجتماعية وسياسية فالثورة في السودان ماضية ولكن لا يمكن ان يستمر الفعل الثوري خارج منظومة الحراك المدني الطبيعي من معارك حقوقية ونضالات اجتماعية الى الابد والا لما كان هنالك ما يسمى باللحظة التاريخية لحدوث افعال كبيرة في التاريخ، فهجرة الطبقة الوسطى وتراجع اسعار العقار وهجرة الثوار انفسهم تهدد هذا الحراك وضمان استمرار سلميته.

ومن بين العوامل الموضوعية ظاهرة اختطاف الدولة التي تتطلب تحليلاً جاداً وناضجاً يشمل جوانب السياسة والاقتصاد والاجتماع ويخرج من المعلبات الفكرية الصمدية ذات الوصفات الجاهزة.

خلاصة القول ازاء كل هذه التحديات والنوازل والتي تتطلب خطاباً سياسياً ناضجاً وشاملاً، وعملاً منظماً للقوى الثورية الديمقراطية، نجد أن الفاعلين السياسيين في بلادنا لسان حالهم ازاء هذه التحديات الجسام هو فداحة قول “هل يا تري ما كان يجب أن لا أعمل في شركة سيمنز؟ متى سنفعل ما هو مغاير لنحصل على نتائج مغايرة.

نداء وصرخة

22 سبتمبر 2022م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى