أعمدة ومقالات

الشيخ القرضاوي والسودان

خالد محمود *

في جردة الحساب السياسية والمشروعة للدكتور والعالم الإسلامي الشيخ يوسف القرضاوي، يركز كثيرون على موقفه من نقطتين، دعمه لكل نسخ انتفاضات العربي بما فيها تلك التي انتهي بحروب أهلية وإقليمية بالوكالة مثل ليبيا وسورية، والثانية جنوحه لدعم سيطرة تيار الإسلام السياسي في هذه الانتفاضات. والحقيقة إني أرى هاتين النقطتين من طبائع الأمور، فهو قد دعم الربيع العربي من حيث المبدأ وهذا يملكه، لكن انفلات هذا الربيع الى تطورات، فهذا ما لا قبل له بمنعه، أما دعمه للإسلام السياسي فمنطقي، فالرجل بالتأكيد لن يدعم خط الحزب الشيوعي الايطالي مثلا في هذه الثورات.

لكن النقطة الفاصلة، والتي تريك ما تفعله السياسة وكوارثها وانحيازاتها الايدلوجية بالناس هو موقف الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي واتحاد علماء المسلمين وتيار (الأصوليين الجدد) بإجمال، من تجربة الديكتاتورية العسكرية البشعة التي قادها انقلاب البشير عام 1989 والذي دمر شعبه وبلاده ولم يكن بأحسن حالا من الديكتاتوريات الأخرى التي كان هذا التيار يتشدق بمعارضته لها. دعم القرضاوي انقلاب البشير لأنه رفع راية (الأخوان المسلمين)، وبرر كل جرائمه وفساده وغض النظر عن (بيوت الأشباح) التي فتحها لتعذيب معارضيه، وعن فصل نصف مليون سوداني من أساتذة الجامعات والقضاة والصحفيين والموظفين في كل القطاعات باسم (الصالح العام) ومن الزج بالمئات في المعتقلات، ومن ارتكاب مذابح جماعية في دارفور راح ضحيتها نصف مليون سوداني، ومن عشرات الكوارث الأخرى التي انتهت بانفصال الجنوب واندلاع حربين في الغرب. المهم، ان الدكتور يوسف القرضاوي حين كان يسأل عن انقلاب البشير، ولماذا هو ضد الانقلابات في كل مكان إلا السودان، فكان يرد رداً عجيباً أن (الانقلاب -يقصد انقلاب البشير- اختفى، ولم يعد انقلاباً، والسودان الآن لا يحتاج إلى ثورة وإنما لانتخابات)، بينما اتحاد علماء المسلمين الذي يرأسه، نحت عبارة غاية في الخداع وهي (انقلاب السودان سقط بالتقادم)، كذلك كان القرضاوي يهرع يساند النظام في كل مفترق طرق ولا يكف عن رواية “تفجر عينه بالدموع حين شهد المليونيات تطالب بالشريعة)، وهو يعرف أن هذه المليونيات صنعتها الديكتاتوريات السودانية (ديكتاتورية البشير وديكتاتورية نميري لاخفاء جرائمها).

لم يكن موقف الدكتور يوسف القرضاوي في تثبيت ودعم الديكتاتورية السودانية وانقلاب البشير، باستخدام الآية الكريمة، والحديث الشريف، والفتوى، والنفوذ الروحي يختلف عن دعمها بالسوط والدبابة، وهو في ذلك، كما انه دعم وقاد زملاءه الذين هرعوا إلى دارفور وصلوا في الفاشر وقدموا شهادة زور للعالم وقالوا (نشهد انه لم يكن هناك مذابح جماعية ولا اغتصاب)، ومثل الأستاذ والكاتب الصحفي المهم الأستاذ فهمي هويدي، الذي زار السودان بعد انقلاب البشير وكتب مقاله الشهير (مجلس الصحابة الذي يحكم السودان).

إن هذه الجردة ليس معني بها، الإساءة للرجل، لان انجاز الرجل العلمي كتباً وابحاثاً، بعيداً عن السياسة، سيظل يحفظ له مكانا غير قليل، بل وحتى اجتهاداته المهمة التي حاولت مواكبة الحداثة والحياة وخاصة حياة المسلمين في الغرب الذين كانوا وأبناءهم بين شقي رحى، لكن هذا الاستعراض هدفه إبراز الازدواجية التي يعاني منها المثقف العربي عموما حين يوضع في اختيار، ذالك الازدواج ذاته الذي جعل مفكرا مستنيرا نظريا بقامة الدكتور حسن الترابي، واقعيا وعلى الأرض مهندس وشريك وملوث اليد بالدم في تجربة قمع.

ـــــــــــــــــ

* كاتب مصري

تعليق واحد

  1. لو أنك جردت حسابه بطريقة صحيحة ستجد أن نتيجة هذا الحساب هي صفر ، هو ينتمي للاخوان المسلمين فكل أراءه تتبع هذا الانتماء ثم ما النتيجة النهائية لكل حياته ؟ لا شيء . الشعب الذي يحتاج الى فتاوى دينية لتسير حياته هو شعب جاهل وعاجز ، جميع رجال الدين منذ ظهر الاسلام لن ترى منهم سوى النفاق والكذب وتمجيد البطش والدكتاتورية ؟ أعطني اسم رجل دين واحد اصلاحي في تاريخ الاسلام . لن تجد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى