أخبارأعمدة ومقالات

البروفيسور علي عبد القادر: رحيل مُفكر مُلْهِم وصاحب عقل محايد «2- 4»

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

البروفيسور علي عبد القادر: رحيل مُفكر مُلْهِم وصاحب عقل محايد «2- 4»

الكاتب والباحث السوداني د. عبد الله الفكي البشير

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

abdallaelbashir@gmail.com

اشتملت الحلقة الماضية، وهي الأولى، على لمحات عن سيرة الراحل البروفيسور علي عبد القادر، وذكرنا بأنه عمل أستاذاً جامعياً، ومديراً في بعض المؤسسات حيث ترأس أقسام الدراسات والبحوث والسياسات. وأوضحنا بأن الأستاذ الجامعي والقائد والمدير، وبحكم أنه يمثل نموذجاً إرشادياً يحتذى، وصاحب إسهام في تكييف حياة الناس وأوضاعهم، إن لم يكن مُلْهِماً ومُلهَماً، ومتواضعاً، وصاحب عقل محايد، يكون هو الشخص الخطأ، الذي أحتل مكاناً أكبر منه، وجلس في مقعد ليس له. ووقفنا عند مفهوم الإلهام والتواضع والعقل المحايد، ثم شهدنا بأن فقيدنا، كان مُلْهِماً ومُلهَماً، وكان منبعاً للتواضع أصل الخلق الرصين، وصاحب عقل محايد. ثم تناولت قصة علاقتي به، عبر محور المفكر المُلهِم. وكيف أنه كان ملهماً لي عندما سألني سؤالاً، جاءت إجابتي عنه بعد سبع سنوات ونيف، في كتاب كان بعنوان: أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية- محمود محمد طه وأماراتيا كومار سن (مقاربة). واليوم نواصل.

بعد وصفه للكتاب، قائلاً: “هذا كتاب مذهل”، سألني أين ستنشر الكتاب؟ فقلت له هناك عروض للنشر من مصر ولبنان، بينما لم أجد ناشراً سودانياً متحمساً لنشره. فقال: “أرى أن ينشر هذا الكتاب في السودان، حتى يستفيد منه الناس وحتى يستفيد منه الشباب والحاكمين، وآمل أن تقام حوله حوارات ونقاش”. ثم تحدث عن السودان بمحبة شديدة واعزاز كبير، وهو يعتصره الأسى والضمور لما آل إليه حال السودان. وبالفعل نفذت اقتراحه، فتم نشر الكتاب في السودان، مع استبعاد خيارات النشر في لبنان ومصر، وغيرهما. وكان من بين اقتراحاته الاستفادة من كلمة أمارتيا سن بمناسبة نيله لجائزة نوبل، وإبراز الحريات الخمس عند سن. وهي: 1. الحريات السياسية  Political Freedom 2. التسهيلات الاقتصاديةEconomic Facilities   3. الفرص الاجتماعية Social Opportunities  4. ضمانات الشفافية Transparency Guarantees  5.  الأمن الوقائي Protective Security . وتميل هذه الحريات، كما يرى سن: إلى المساهمة في القدرة العامة للشخص على الحياة بحرية أكثر، وتفيد كذلك بالتكامل فيما بينها، وتتسم أيضاً بتداخل الأدوار. أيضاً اقترح على عبد القادر العمل من الآن على ترجمة الكتاب إلى اللغة الإنجليزية. وبالفعل أخذت بكل اقتراحاته وتنفيذها كما جاءت منه. فقد صدر الكتاب في طبعته الأولى في الخرطوم، استجابة لاقتراحه وطلبه، حيث طُبع في المركز الطباعي بالخرطوم لصاحبه ومديره الأستاذ شريف مطر، وتولت دار الأجنحة للنشر، شارع الجمهورية بالخرطوم، توزيع الكتاب. بينما صدرت الطبعة الثانية في أغسطس 2022، عن دار بدوي للنشر، (كونستانس- ألمانيا). وصدرت ترجمته إلى الإنجليزية عن مركز أسبلتا للاستنارة والنشر، بالولايات المتحدة، في أغسطس 2022، وهي متوفرة على موقع أمازون. وقد أطلَّع بالترجمة كل من: الدكتور صلاح أحمد فرح، والأستاذ بدر موسى، وقام بالتحرير البروفيسور إيرنست ب. جونسون  Professor Ernest B. Johnson

أذكر أنني حينما فرغت من وضع عنوان الكتاب أعلاه، بصورته الأخيرة باللغتين العربية والإنجليزية، وقد درجت على وضع العنوان باللغة الإنجليزية في النسخة العربية من كتبي، طلب مني الأستاذ عصام عبد الرحمن البوشي، وكان له الفضل في بلورة العنوان وتدقيق ترجمته، عرض العنوان على البروفيسور علي عبد القادر، وأخذ رأيه. وبالفعل عرضت عليه العنوان فأعجب به، وأضاف بأنه عنوان سليم ورنان باللغتين العربية والإنجليزية، ويُعبر عن المحتوى بدقة، ويخاطب راهن الدراسات التنموية.

ولمَّا كان البروفيسور علي عبدالقادر قد عبَّر عن تمنياته أن يقام حول الكتاب حوارات ونقاش. فقد نظمت ثلاث ندوات في الخرطوم عن تدشين الكتاب، كانت الأولى بمركز محمود محمد طه الثقافي، وشارك فيها بالإضافة للمؤلف الدكتور عمر القراي والدكتور محمد جلال أحمد هاشم، وقامت بإدارة الأستاذة أسماء محمود محمد طه. وكانت هناك ندوة ثانية نظمها مركز دراسات وأبحاث القرن الأفريقي، وشارك فيها بالتعقيب كل من: الدكتور محمد جلال أحمد هاشم والدكتور إبراهيم البدوي، وقدمتها وأدارتها الدكتورة فاطمة العاقب. ونظمت ندوة ثالثة بمركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، وشارك فيها كل من: الدكتور خالد التجاني، وقدمها وأدارها الدكتور الباقر العفيف. كما استضاف الأستاذ غسان علي عثمان في برنامجه التلفزيوني الوراق، بقناة سودانية 24، المؤلف في حلقة نقاشية عن الكتاب. كذلك استضاف الأستاذ السر السيد في برنامجه سواسية بإذاعة بلادي المؤلف في لقاء إذاعي عن الكتاب. كما كتبت بعض المقالات عن الكتاب. وهناك دعوات لتنظيم ندوات عن الكتاب في كل من العراق والجزائر وقطر والمغرب.

جدير بالذكر أنني رويت قصتي مع البروفيسور علي عبد القادر وسؤاله وطلبه مني الاهتمام بموضوع التنمية عند محمود محمد طه، ضمن مقدمة كتاب: أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية- محمود محمد طه وأماراتيا كومار سن (مقاربة).

لمحات عن الإنتاج الفكري: حياة جادة وعامرة

عاش البروفسيور على عبد القادر حياة عامرة، اتسمت بالجد والإنتاج الفكري والعطاء الإنساني. فبعد تخرجه في كلية الاقتصاد، بجامعة الخرطوم، ونيله لدرجتي الماجستير والدكتوراه عام 1974 من جامعة اسكس  University of Essex، بالمملكة المتحدة. عمل أستاذاً جامعياً، ثم قائداً ومديراً في عدد من المؤسسات الاقتصادية والتنموية، كما ورد آنفاً. وعمل كذلك مستشاراً لعدد من المنظمات الإقليمية والدولية مثل البنك الأفريقي للتنمية، والبنك الإسلامي للتنمية، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، والبنك الدولي؛ وكذلك المنظمات الاقتصادية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة اليونيسيف، ومنظمة العمل الدولية. وإلى جانب ذلك فإن البروفيسور علي يُعد من المفكرين الاقتصاديين والتنمويين المتميزين، الذين أنتجوا إنتاجاً فكرياً رصيناً. ولا نسعى في هذه المساحة الضيقة لتغطية إنتاجه الفكري، وإنما نسعى لتقديم جرد مجمل وموجز، بهدف تسليط الضوء على طرف من إسهاماته الفكرية.

لقد رفد البروفيسور علي عبد القادر المكتبة السودانية والعالمية بإسهامات متميزة باللغتين العربية والإنجليزية، في حقول الاقتصاد والتنمية، والنمو الاقتصادي، والديمقراطية والتنمية، وقضايا الفقر، والعدالة الاجتماعية، ورأس المال البشري وغيرها. تجاوزت أعماله (100) عملاً، تضمنت (6) من الكتب، وأبحاثاً متخصصة، وأوراقاً علمية، فضلاً عن التقارير سواء عن تحديات التنمية أو غيرها. كما قدم العديد من الأعمال (أوراق علمية وتقارير وتحرير كتب) بالشراكة مع آخرين، منهم على سبيل المثال، لا الحصر، صديقه الخبير الاقتصادي البارز ووزير المالية الأسبق، بعد اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، الدكتور إبراهيم البدوي، وصديقه الخبير الاقتصادي العراقي البارز الدكتور أحمد الكواز، كما سترد الإشارة لاحقاً. وقد نُشرت هذه الأعمال في دوريات علمية متخصصة ورفيعة. ويُعد البروفيسور علي عبد القادر خبيراً اقتصادياً عالمياً. اتسمت أعماله بالحيوية وبُعد النظر والرؤية العابرة للجغرافيا والثقافات والأزمنة، فضلاً عن الورع العلمي والاحتراز في عدم إطلاق الاحكام أو النتائج والخلاصات المغلقة، فكثيراً ما تجده يضمن عناوين دراساته: “بعض ملاحظات استكشافية”، أو بعض ملاحظات أولية وهكذا. ويُعد البروفيسور علي كذلك، كما وصفه الدكتور معتصم الأقرع، أرفع الاقتصاديين في تاريخ السودان وأكثرهم تميزًا. جاء وصف الأقرع في تقديمه للطبعة الثانية من كتاب البروفيسور علي عبدالقادر: من التبعية إلى التبعية: صندوق النقد الدولي والاقتصاد السوداني، وهو يعدد في أسباب أهمية الكتاب، فكتب، قائلاً: “السبب الآخر وراء استمرار الأهمية المركزية لهذا الكتاب هو أن أستاذ الاقتصاد علي عبد القادر علي، قامة فكرية سامقة بكل المقاييس، وهو بلا شك أرفع الاقتصاديين في تاريخ السودان وأكثرهم تميزًا كعالم منقطع النظير يتمتع بعمق معرفي فريد يزينه التزام لا يتزعزع بقيم سامية من الوطنية والغيرة على مصلحة السودان وسيادته واستقلال قراره وحق طبقاته الدنيا والوسطى في حياة كريمة لا يشك في أنها ممكنة”. كانت الطبعة الأولى للكتاب قد صدرت عام 1990، ليبعث الكتاب من جديد في مناخ ثورة ديسمبر المجيدة، حيث جاءت الطبعة الثانية بمبادرة من شباب لجان المقاومة، شوكة ثورة ديسمبر المجيدة، في العام 2021. وقد كتب البروفيسور علي في توطئة الطبعة الثانية، قائلاً: “تأتي الطبعة الثانية من الكتاب، بمبادرة من بعض شباب المقاومة الذين تسنى لهم الاطلاع مؤخرا على الكتاب، واعتقدوا أن محتواه والقضايا التي يطرحها حول الاقتصاد السوداني، لم تزال إلى يوم الناس هذا صالحة، ويجيب على الكثير من الأسئلة المطروحة، ويمكن لها أن تسهم في تصحيح مسارات الثورة الملهمة التي فجروها”.

من اللطائف أنني في أثناء دراستي لصدى أطروحة أمارتيا سن في السودان، عندما كنت أعد في المقاربة بينه وبين محمود محمد طه، اكتشفت أن على عبد القادر علي، كان من أوائل السودانيين، حسب علمي واطلاعي، إن لم يكن أولهم قاطبةً، الذين درسوا أطروحة سن وكتبوا عنها. وهذا طبيعي إذا ما علمنا أن علي عبدالقادر كان قدم بحثه للتخرج في الستينات من القرن الماضي عن أعمال أمارتيا سن، وربطته كذلك علاقة خاصة بسن، كما ورد آنفاً، إلى جانب أن علي عبدالقادر مفكر وعالم مواكب، تلمح ذلك في دراساته وأحاديثه. لقد تناول البروفيسور علي عبد القادر أطروحة سن (1999) Development as Freedom وجاءت ترجمتها إلى اللغة العربية: التنمية حرية، كما صدرت عن سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2004، وكذلك عن المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010، بينما كان البروفيسور علي عبد القادر يحبذ ترجمتها إلى (التنمية صنو الحرية)، تناول الأطروحة في العديد من دراساته، وقدم لها شرحاً وافياً وتلخيصاً دقيقاً، فضلاً عن محاولته لتوطينها من خلال ربطها باقتصاديات التنمية في السودان، كما جاء، علي سبيل المثال، لا الحصر، في ورقته الموسومة بـ: “اقتصاديات التنمية وسودان ما بعد النزاع” (2005). استهل ورقته، قائلاً: كما هو معروف يمثل عام 1999 عاماً فاصلاً فيما يتعلق بهيكل وأداء الاقتصاد السوداني نظراً لما شهده العام من الاستغلال التجاري للنفط وتصديره. كذلك الحال يمثل عام 2005 عاماً فاصلاً فيما يتعلق بالترتيبات السياسية والمؤسسية للقطر في ضوء توقيع إتفاقية السلام الشامل (وُقعت الاتفاقية كما هو معلوم بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان في العام 2005)، التي ترتب عليها نهاية حرب أهلية كانت مستعرة منذ عام 1983. وأضاف بأنه وكما هو معروف، فقد تم تضمين أهم مرتكزات اتفاقية السلام الشامل في الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لعام 2005. وأشار إلى أن هناك ملاحظة مهمة وهي أن الدستور قد نصً في الفصل الثاني، من الباب الأول، حول “المبادئ الهادية والموجهات”، وتحت المادة (10-1) على أن “تكون الأهداف الأشمل للتنمية الاقتصادية هي القضاء على الفقر وتحقيق أهداف ألفية التنمية وضمان التوزيع العادل للثروة وتقليص التفاوت في الدخول وتحقيق مستوى كريم من الحياة للمواطنين”.. وقال نُسارع لنلاحظ في هذا الصدد مواكبة اتفاقية السلام الشامل، ومن ثم الدستور الانتقالي، للتطورات النظرية والتطبيقية في مجال اقتصاديات التنمية والتي أفضت إلى أن يتبنى المجتمع الدولي، ممثلاً في قمة الألفية التي انعقدت في سبتمبر 2000 في نيويورك، “الأهداف الإنمائية للألفية”. وتوضح القراءة المتأنية لهذه الأهداف أن المجتمع الدولي قد أجمع على اعتبار أن الهدف المحوري للتنمية، خصوصاً في الدول النامية، هو الإقلال من الفقر. وعلى الرغم من أن هذا الإجماع قد جاء متأخراً، بعد تطبيق متعاقب لفترة عقدين من الزمان لوصفات اقتصادية غير تنموية أخذت تعرف بوصفات “وفاق واشنطن”، إلا أنه قد جاء نتيجة لتراكم معرفي في مجال اقتصاديات التنمية أفضى إلى تعريف عريض للتنمية على أنها عملية “لتوسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر”، كما عبّر عن ذلك بروفسور أمارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد لعام 1998.

نلتقي في الحلقة الثالثة، وتليها الحلقة الرابعة، وهنا أستميح القراء عذراً، فقد استدعت الضرورة أن تكون الحلقات أربعاً، بدلاً عن ثلاث).

البروفيسور علي عبد القادر: رحيل مُفكر مُلْهِم وصاحب عقل محايد «1-3»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى