أخبار

انقلاب المناهج في السودان: حذف ثورة ديسمبر واستعادة «دروس القرضاوي»

سعى انقلاب 25 اكتوبر 2021م في السودان، إلى فرض سيطرته ورؤاه على مجمل القطاعات الحساسة بالبلاد، لاسيما التعليم الذي يعد أحد أهم ركائز النهضة والتطور.

التغيير- الخرطوم: سارة تاج السر

بعد انقلاب 25 اكتوبر، وفي سياق محو آثار الفترة الانتقالية المُنقلب عليها،  تبنّت وزارة التربية والتعليم، حذف مواد من مناهج التعليم العام، بحجة أنها دروس سياسية تسيئ للدين الإسلامي أدخلها مدير المناهج السابق د. عمر القراي، كما تمت إعادة تضمين محتوى «محذوف» وهو عبارة عن اقتباس من كتاب خصائص الأمة الإسلامية للشيخ يوسف القرضاوي في منهج التربية الإسلامية للصف الثالث الثانوي، وهو كتاب يؤطر لفكر جماعة الإخوان المسلمين مما يؤكد أن التغيير له أهداف سياسية.

وزير التربية والتعليم بحكومة الانقلاب

ماذا حدث للمناهج بعد الانقلاب؟

قبل أيام من انطلاق العام الدراسي الجديد المقرّر في الثاني من أكتوبر المقبل، أعلن وزير التربية والتعليم المكلف من الانقلاب، محمود سر الختم الحوري، أن وثيقة المناهج تنص على ألّا تتضمّن أي منحى سياسي، وانتقد القراي واتهمه بوضع إشارات سياسية سالبة في كتب العلوم واللغة العربية للصف الثاني وحتى الصف الخامس، غير أن معارضين لسياسات الحوري اتهموه هو الآخر بإرجاع دروس محذوفة تروج لايديولوجيا الإخوان المسلمين.

وطالب المدير السابق للمركز القومي للمناهج د. عمر القراي، وزير الانقلاب المكلف، بتوضيح  المؤشرات السياسية السالبة التي أضافها للمنهج، وقال لـ«التغيير»: «هل يوجد مؤشر سياسي سلبي أكثر من احضار موظف في إدارة واحتكار ثلاث وظائف له وهي رئيس إدارة الامتحانات، ووكيل الوزارة، والوزير المكلف!».

د.عمر القراي

ولم يستبعد القراي إعادة المحذوفات المتعلّقة بكتاب القرضاوي أو سيد قطب الذي كان في مقرّر الثالث الثانوي، لإرجاع كل مظاهر وشخوص نظام المخلوع، فضلاً عن إبعاد الموظفين «الثوار» وملأ الوزارة بمنسوبي العهد البائد كما كانت.

تعليم.. أم سياسة أم ايديولوجيا؟

المدير العام للمركز القومي للمناهج والبحث التربوي ببخت الرضا د. معاوية السر قشي اكد لـ«التغيير»، على مبدأ قومية المنهج وتمثيله للمجتمع السوداني بتعدّده وتنوّع، وأوضح أن قضية الإضافة والحذف للمقرّرات الدراسية مسألة عادية، وتكون دائماً لاعتبارات تربوية وفنية.

ولكن في المقابل، رصدت «التغيير» من كتابات لمثقفين سودانيين انتقادات حادة للمناهج التعليمية في السودان لتكريسها هوية ثقافية أحادية، وحشوها بآيديولوجيا الإسلام السياسي، فضلاً عن عدم مواكبتها للتطورات العلمية والتكنولوجية ووسائل التربية والتعليم الحديثة.

ورد في آخر تقرير صادر عن اليونيسف، أن «6.9» ملايين طفل سوداني خارج المدرسة، وأن «70%» من أطفال السودان فوق سن العاشرة لا يستطيعون تركيب جملة بسيطة، مما يدل على أن أزمة التعليم في السودان مركبة! فالتعليم المتاح نوعيته رديئة، والبيئة المدرسية منهارة، فضلاً عن ارتفاع تكاليفه لدرجة أن ملايين الأطفال محرومين منه لأسباب اقتصادية في الغالب.

التدخلات التي طرأت على المناهج الدراسية عقب سقوط نظام عمر البشير البائد، وصفها مراقبون بأنها كانت غير مدروسة وغير مستوفية للمعايير الفنية والتربوية ولم تكن هناك موارد اقتصادية وبشرية كافية ومؤهلة لإحداث تغييرات طموحة في العملية التعليمية.

سامي الباقر

المدير التنفيذي لوزارة التربية والتعليم في الحكومة الانتقالية المنقلب عليها، عضو لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر قال لـ«التغيير»، إن التفكير بعد الثورة كان منصباً في تخفيف المنهج من الصف الأول إلى السادس، ومع اقتراب العام الدراسي حينها تمت طباعة مقرّرات سنة أولى وسادس وتم العمل بباقي مقرّرات الصفوف من الثاني، الثالث، الرابع إلى الخامس، عبر نشرات داخلية حذفت بعض الدروس، إلى حين طباعتها في السنة الثانية على نفقة البنك الدولي والتي وصلت البلاد مؤخراً بعد الانقلاب، كما تم تخفيف مقررات الصفين السابع والثامن بإلغاء كثير من الحشو الموجود فيها «في إشارة إلى الدروس ذات الطبيعة الآيديولوجية والسياسية للنظام البائد».

أما مقرّرات المرحلة الثانوية فتم تنقيحها هي الأخرى بواسطة لجان متخصّصة وحُذفت منها كثير من المواد تحت إشراف المركز القومي للمناهج.

إيحاءات

وأشار الباقر إلى أن كتاب التربية الإسلامية للصف الثالث الثانوي، شهد إعادة أجزاء محذوفة تحت باب كامل باسم خصائص الأمة الإسلامية، مأخوذ من كتاب بذات الاسم للشيخ يوسف القرضاوي «من مفكري جماعة الإخوان المسلمين»، وطبقاً للباقر فإن الكتاب إخواني، يؤطر ويؤسس لفكر جماعة الإخوان.

ووصف الباقر ما جرى بأنه إيحاء سياسي وفكري بامتياز.

قيم الثورة

وفي السياق، قال قشي، إن الحذف لم يكن للدروس التي تناولت ثورة ديسمبر لأسباب سياسية، وإنما لنواحٍ تربوية وفنية تتعلّق بالطريقة التي صيغت وأقحمت بها هذه الموضوعات في سياق بعض المقرّرات.

وأشار إلى أن القيم التي نادت بها الثورة من حرية وديمقراطية وعدالة وسلام مضمنة بشكل كلي وجذري في المنهج الدراسي للتعليم العام بكل مراحله، وأكد احترامهم للثورة وما دعت إليه.

بالنسبة للموضوع المتصل بالشيخ القرضاوي، قال قشي: «يوجد درس قديم بعنوان خصائص الأمة الإسلامية في مقرّر ثالث ثانوي، لم يتم التأكد من مصدره بعد ومحتواه».

وأضاف: «وجهنا بالتقصي حوله»، وتابع: «الآن جميع منهج التعليم الثانوي يخضع للمراجعة والتنقيح على نفس مبدأ النأي بالمنهج التربوي عن أي توجيه سياسي».

ولكن بالنظر إلى محتوى مناهج التعليم العام في السودان في عهد النظام البائد لا يوجد تضمين لقيم الديمقراطية والحرية والعدالة بل يوجد تقويض لهذه القيم، فدروس التربية الإسلامية تتضمّن تمييزاً صريحاً ضد المرأة وغير المسلمين، فضلاً عن تطبيق الشريعة الاسلامية و«الحكم بما أنزل الله».

أما مناهج الثقافة الإسلامية الإلزامية في مؤسسات التعليم العالي فتتضمّن هجوماً شرساً على الديمقراطية وتصنّف الديمقراطية والعلمانية والاشتراكية ضمن المذاهب الهدامة والأفكار المضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى