أخبارتقارير وتحقيقات

السودان.. المواطنون في مواجهة ركود وأزمة اقتصادية طاحنة

عانى السودان خلال العام الأخير من تفاقم الأزمة الاقتصادية بصورة طالت كل الأنشطة، وحولت حياة المواطنين إلى سلسلة من التساؤلات اليومية بشأن كيفية مواجهة الوضع الاقتصادي المتردي وتسيير شؤونهم!!

التغيير- الخرطوم: محمد عبد الرحمن

تحوّل كبير في الوضع الاقتصادي بالسودان، فرض نفسه خلال فترة وجيزة، ما أدى إلى إغلاق مصانع لأبوابها وخروجها من دائرة الإنتاج، وتوقف مستوردون عن العمل في ظل ركود الأسواق وضعف القوة الشرائية، كما دفع هذ الواقع أسراً لإخراج أطفالها من المدارس لانعدام القدرة.

قبل أشهر قليلة كانت الأزمة توصف بأنها طاحنة، والآن أصبحت كارثة اقتصادية يكتوي الشعب السوداني بنيرانها يومياً، خاصة وأن التضخم وصل ذروته، ما أثر على الحياة المعيشية للسودانيين في مختلف الفئات.

لا أحد في السودان اليوم يبحث عن كماليات، فالوصول لتحقيق  الالتزامات الضرورية بات أمراً شاقاً، وقاد التدهور المخيف إلى الركود في كل مجالات البيع من السيارات إلى العقارات وإلى السلع الاستهلاكية، إذ أصبحت نسبة مقدرة من الأسر السودانية تعمد إلى التقشف، وتعتمد على وجبتين في اليوم من «العدس والأرز» لقلة تكاليفهما.

الآن يمر عام على انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021م الذي فاقم التدهور الاقتصادي وسحق الشعب السوداني بإغلاق الأبواب أمام الإصلاحات الاقتصادية التي وضعتها حكومة رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك، وأفقد البلاد دعم العالم الذي كان رهيناً بالتحول الديمقراطي انطلاقا من الإلتزام بإعفاء الديون وتقديم المنح، لكن كل ذلك توقف ما أعاد السودان إلى ما قبل حكومة الثورة.

قرارات وإضرابات

قبا أشهر قرّرت وزارة مالية الانقلاب زيادة الضرائب بصورة كبيرة، وأقر الوزير جبريل إبراهيم بأن المالية ستعتمد على الضرائب في حل مشكلة الاقتصاد، ونفّذتها على جميع القطاعات الخدمية.

لكن الخطوة قوبلت برد فعل مناهض من المواطنين، وأغلق مواطنو الولاية الشمالية الطريق القومي وأوقفوا التجارة بين السودان ومصر احتجاجا على زيادة تعرفة الكهرباء للقطاع الزراعي، ومن ثم خُفضت ولكن أبقت الضرائب الباهظة على كهرباء السكن، ولا زال المواطنون يعانون من زيادة التعرفة.

حالة الرفض للضرائب الباهظة انتظمت أكبر الأسواق بمدن السودان المختلفة، فقد أضرب تجار ود مدني وتمبول والأبيض والقضارف والأبيض وتمبول وسنار وسنجة، وانضمت إليهم عطبرة قبل أن يلوح تجار المتمة بإغلاق مماثل.

واحتج التجار على ارتفعاع الضرائب إلى نسبة 1000%، وأكدوا أن الإضراب بات هو الخيار المطروح بعد أن عجزت لجان التجار والأسواق إلى طريق مسدود مع الحكومة.

كما انتظمت الإضرابات قطاعات أخرى منها قطاع الكهرباء وأطباء الإمتياز والكودار الطبية وعمال النظافة والصرف الصحي بولاية الخرطوم.

كذلك، خُفّضت رواتب بروفيسورات وأساتذة مشاركين في جامعة الخرطوم بنسبة 50% في العقود التي لم يوقعوا عليها، وأعلن 400  بروفيسور وأستاذ مشارك مغادرة الجامعة في خطوة تصعيدية تؤكد عمق الكارثة الاقتصادية. وقالت نقابة أساتذة الجامعة، إنهم سيمهلون الإدارة وقتاً وجيزاً لمعالجة العقود قبل الدخول في الإضراب.

وكانت لجنة المعلمين السودانيين نظمت مواكب ضخمة بالعاصمة والولايات سلمت خلالها مذكرة متعلقة بالأجور وتحسين شروط الخدمة، وأكدت اللجنة مواصلة التصعيدها لحين إجازة الهيكل الراتبي الذي وضعته اللجنة.

معاناة متفاقمة

وفي إفادة بشأن التردي الاقتصادي قال محمد سليمان الذي يعمل في وكالة سفر وسياحة: “حدث تغيير  كبير في مختلف الاتجاهات للوضعي المعيشي، زادت أسعار السلع الاستهلاكية أكثر من ثلاث مرات خلال أشهر، تعرفة المواصلات ارتفعت مرتين في شهر ولم يزد الراتب وأصبح لا يغطي احتياجاتي، ومقارنة بما كان قبل عام حالياً ينتهي الراتب قبل أن يُكفي إلتزاماتي الشهرية، نسبة لزيادة الضرائب في كل الخدمات المقدمة للمواطن وارتفاع أسعار السلع الضرورية”.

أما حليمة- بائعة شاي وسط الخرطوم فقالت: “يومياً أركب المواصلات التي تنقلني من مكان سكني إلى العمل بتكلفة ألفي جنيه سوداني وهذا أضعاف ما كان عليه الحال قبل عام من الآن، لذلك زادت أسعار الشاي والقهوة والسكر زاد أيضاً بنسبة تجاوزت الـ100% وفي ذات الوقت لم نزد سعر كباية الشاي والقهوة بصورة كبيرة تقديراً لظروف الناس، ولو زدناها كما زاد سعر الفحم والشاي والقهوة لتخلى الناس عن شربها”.

وأضافت: “مصاريف المعيشة ارتفعت كثيراً مقارنة مع العام السابق ويومياً أحتاج إلى ربع لحمة وبصل وزيت وصلصة وفحم وهذه المكونات تكلفني يوميا 5 آلاف جنيه، ومنصرفاتي زادت أضعاف عن العام الماضي ودخلي أصبح أقل بصورة كبيرة”.

خالد محمد عيسى- عامل يومية يغسل العربات ومسؤول عن نظافة وترتيب مكاتب وسط الخرطوم، قال: “حالياً السودان متدهور اقتصادياً ولا أستطيع أن أوفر احتياجاتي وأصبحت أتناول وجبتين فقط، في الصباح تكلفني ألف جنيه وفي المساء ألف جنيه أيضاً”.

وأضاف: “نقول الحمد لله على كل حال، لا استطيع توفير احتياجات البيت ولا استطيع أن أرسل لهم المال وكل ما أجنيه من أجر بسيط أدبر به احتياجاتي الخاصة.

وأوضح أنه في العام السابق كنت يتحصل على أجر كبير يصل إلى 10 آلاف وحالياً لا يتجاوز 3 آلاف جنيه وفي بعض الأحيان أقل من ذلك، وقال “أصبح المواطنون لا يغلسون عرباتهم بصورة يومية وأحياناً مرة في الأسبوع لذلك أصبح دخلي في اليوم قليل جداً، وحالياً مع العمل أدرس في المرحلة الثانوية صناعي، تخصص كهرباء سيارات وهدفي التميز والتطور والانتقال لاحقاً إلى وضع أفضل”.

المواطن عبد الجليل مضى في ذات الاتجاه وقال: “العام الماضي المرتب إذا لم يكف كل احتياجاتك فإنه يساهم بالكثير ويتبقى على نهاية الشهر يوم أو يومين ولا نتأثر بها كثيراً، وحالياً الراتب لا يكفي نصف الشهر مما يدفعني لطلب الدين لأكمل التزامات ما تبقى من الشهر”.

وأضاف: “في الوقت الحالي الوضع تغير ودخلي بات قليلاً ولا يكفي احتياجاتي، ولدي أولاد في المدارس وقد كانت أخف قدراً في السابق والآن الطالب رسومه تتعدى 300 ألف جنيه بدون ترحيل”، وتابع “إذا كان لك ثلاثة أبناء فهذه مشكلة كبيرة”.

وأوضح أنه في العام الماضي كانت تكاليف خضروات الشهر قليلة وحالياً نفس المبلغ لا يكفي لشراء خضروات أسبوع، وزاد “احتاج وقود- بنزين- بأكثر من 100 ألف للدراجة النارية التي أتحرك بها من مكان عملي إلى المنزل وهذا بدون الصيانة”، وأشار إلى الارتفاع الكبير في أسعار الكهرباء.

هجرة للخارج

في 26 سبتمبر الماضي، نشرت (رويترز) تقريراً عن رحيل السودانيين شمالاً نحو الجارة مصر للبحث عن مستقبل أكثر إشراقاً، وأجريت اتصالاً مع محمد الشيخ وهو من خريجي جامعة الخرطوم رحل حديثا إلى مصر بحثاً عن العمل فقال إن الفرص هناك كثيرة للشباب ولكن أغلبها شاقة كعامل في مصنع والأجر جيد، وذكر أن الراتب الشهري يصل إلى 3 آلاف جنيه مصري وهو مبلغ جيد للعيش هناك لشخص واحد لأن المعيشة أرخص من السودان.

وأوضح أن راتبه يعادل أقل من 100 ألف جنيه سوداني، وقال إنها أصبحت لا تكفي أي شخص ولا توفر حياة كريمة، وأضاف أنه لا يستطيع أن يرسل لأهله مالاً بسبب احتياجاته الشخصية.

وخلال العامين الماضيين غادرت الكثير من الأسر السودانية إلى مصر وغيرها من أجل العيش هناك وتعليم أبنائهم خاصة بعد زيادة الرسوم الدراسية على كل المستويات بالسودان وفرض المدارس رسوماً تعجيزية وكذلك الجامعات الخاصة والحكومية فقد وصلت رسوم بعض الجامعات الخاصة إلى أكثر من 5 آلاف دولار للسنة وهي رسوم باهظة لأسر محدودة الدخل أو فقيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى