أخبارتقارير وتحقيقات

السودان: أسرة مخفي قسرياً تناشد السلطات الانقلابية الكشف عن مكانه

طالبت أسرة شاب مخفي قسرياً في السودان، السلطات الانقلابية بالافصاح عن مكان ابنها المختفي منذ مواكب الثلاثين من نوفمبر 2021م.

التغيير- الخرطوم: أمل محمد الحسن

طوال «11» شهراً ظل والد المخفي قسريا محمد عبد المنعم يطوف على جميع السجون وأقسام الشرطة والمستشفيات والمشارح؛ بحثاً عن ابنه البكر الذي خرج في مواكب مليونية 30 نوفمبر العام الماضي، الرافضة للانقلاب العسكري، وتم اعتقاله وفق شهود عيان إلا أن السلطات الانقلابية أنكرت وجوده في كل السجون والحراسات.

فقد موجع

يبحث والد المخفي قسريا؛ محمد في كل مرة عن عذر جديد يقوله لصغيرته صاحبة السنوات الأربع، وهي تمد إليه الهاتف الجوال وتطلب منه الاتصال بأخيها ليحضر للمنزل!

مرت أحد عشر شهراً، لم تعرف خلالها الأسرة طعماً للنوم أو الراحة، وهم يركضون خلف أي بارقة أمل علها تكون الطريق الذي يوصلهم لابنهم.

«محمد» هو الابن البكر ولديه شقيقات وأشقاء بعده في الترتيب، كان يجب أن يجلس لامتحان الشهادة السودانية في عام اختفائه، والتي اختار فيها أن يسلك المساق العلمي.

لم تكتمل فرحة الأسرة بأن ترى ابنها الأول يدخل الجامعة مع رصفائه، ولم تزغرد والدته فرحةً بنجاحه، وفي المقابل يقتلهم القلق، يبيتون ويستيقظون  وهم يفكرون في مصير الابن البكر، هادئ الطباع نحيل الجسد وما حدث له في سجون السلطات الانقلابية!

مستشفى الأمراض النفسية

التقت «التغيير» بالسيد عبد المنعم، والد «محمد» بالقرب من مستشفى التجاني الماحي للأمراض النفسية والعقلية، كان قد سمع عن خروج أحد المعتقلين منه.

وعلى الرغم من أن المعلومة لم تكن واضحةً ويعتريها الغموض، ومع تأكيد إدارة المستشفى عدم وجود مريض دون مرافق؛ إلا أن قلب الوالدين المحطّم تمسك بخيط الأمل الواهن، وحضر من مسكنه بحي المايقوما في الحاج يوسف حتى أم درمان.

جاب “عبد المنعم” غرف وعنابر المسشفى وتفرّس في الوجوه وخرج بعد أن تسرّب منه الأمل في الالتقاء بابنه، مثقل الروح لكنه يحاول أن يبدو متماسكا أمام الآخرين.

«اختفاء محمد يرهق جميع الأسرة بصورة لا توصف، لكننا نحاول أن نصبر».

خروج أخير

منتصف نهار 30 نوفمبر من العام الماضي؛ كان تاريخ خروج «محمد» للمشاركة في المليونية الرافضة للانقلاب العسكري.

أحضر مستلزمات الأسرة لوجبة الإفطار، ثم مر على صديقه وجاره في الحي لمرافقته كما تعودا؛ لكن الأخير اعتذر لأن والده طلب منه أن يسد غيابه في محل «الجلاليب» الذي يعمل به.

لم يتوقف محمد لدى كبري المنشية كما تعوّد، بل رافق الموكب حتى الخرطوم حيث شاهده هناك أحد أبناء الحي بالقرب من «صينية القندول» في قلب السوق العربي.

وحكى الجار لاحقاً لأسرته أنه التقاه في أكثر من شارع، وفكر في أن يترافقا في طريق العودة لمنزليهما، إلا أن مداهمة الشرطة للموكب وإلقاء الكثير من عبوات الغاز المسيل للدموع عليه جعل الناس يتفرقون، وضاع «محمد» من عيني ابن الجيران الذي تم القاء القبض عليه!

شهود عيان

بعد أن نشرت الأسرة صورة ابنها على وسائط التواصل الاجتماعي؛ تعرّفت عليه شابة وصاحب مطعم زيورخ بالقرب من موقع التظاهر، أكدا للأسرة دخوله المطعم متأثراً بالغاز المسيل للدموع، ومنحته الشابة بعض الخل «يقول الثوار إنه يقلل من آثار الحرق بالوجه التي يسببها غاز الدموع»، كما منحه صاحب المطعم كوباً من العصير قبل أن يعود للطرقات مرة أخرى.

لم يعرف أحد أين ومتى تم إلقاء القبض على محمد لكن أحد العسكر الذين يقطنون في منطقة الحاج يوسف أكد لاحقاً للأسرة أنه رأى ابنهم في سجن سوبا بالمبنى رقم «5» في رمضان الفائت وكان صائماً ومنحه كيس خبز.

«وصفه لمحمد ابني صحيح، وهو قد بدأ الصيام في وقت مبكر».. هذا ما أحيا الأمل في قلب الوالدين وشعرا بأن ابنهما موجوداً على قيد الحياة.

المخفي محمد

جارٍ البحث

لم يتوقف والد المخفي قسرياً «محمد» عن البحث يوماً، يركض خلف أي معلومة ترده عن ابنه.

«بحثت في كل السجون، سوبا والهدى وكوبر، وجميع الحراسات بمدن العاصمة الثلاث؛ الخرطوم، بحري وأم درمان، جبت جميع المستشفيات والمشارح دون أثر لابني».

الوالد تحقّق أيضاً من أحد المعتقلات القديمة بمنطقة كوبر، وقال إنه التقى بشخص أكد له أنه المسؤول عن كشوفات الأسماء لكن محمد عبد المنعم لم يكن بينها!

تحقّق كذلك من رئاسة الشرطة والأدلة الجنائية، وأكد له العاملون بمشرحة الأكاديمي أنها مغلقة! وزار مباني جهاز الأمن والمخابرات «5» مرات أكدوا خلالها جميعاً عدم وجود «محمد» بين معتقليهم.

وصل بحث الوالد ومعارفه وأهله الذين انشأوا مجموعة على تطبيق «واتساب» خصيصاً للبحث عن محمد؛ إلى سجون الولايات، فسألوا في سجون بورتسودان وكوستي والجزيرة أبا وحتى عواصم جنوب وشمال دارفور، نيالا والفاشر، دون أن تكون هناك أي معلومة أو طرف دليل.

قلب معلّق بالثورة

طالب المرحلة الثانوية، المخفي قسرياً «محمد» كان قلبه معلّقاً بالثورة، كان معجباً بعمل شباب المقاومة الذين يرسمون على الجدران ويخطون فيها شعارات الثورة.

«أحد أصدقائه كان من بين الذين يكتبون في الجدران، كان يرافقه كثيراً».

خرج محمد في عدد من المواكب بعد انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على السلطة الانتقالية، ويذكر والده جيداً خروجه في مواكب 23 نوفمبر قبل خروجه من دون عودة في الثلاثين من نوفمبر 2021م.

«كان هادئاً؛ كنت أعامله معاملةً خاصة وأطلب من والدته أن تفعل المثل لأنه أصبح رجلاً الآن».

سأل والده عن الأصدقاء الذين يرافقونه بشكل دائم؛ تأكد من أخلاقهم الطيبة. «لم يرهقني محمد في تربيته، كان ابناً متزناً، يصلي ويصوم ولا يتعاطى أي مكيفات، بيننا علاقة صداقة».

بين «6» اخوان، «3» منهم إناث و«3» آخرين ذكور، كان محمد الأقرب لوالده، الذي أكد لـ«التغيير» استغراب الأهل من أن يتم استهداف محمد من قبل السلطات أو يسجن لأنه شاب مسالم.

لم يكمل عامه الـ17 بعد؛ عندما خرج قبل حوالي العام كان عمره أقل من الـ16 عاماً، فتحت الأسرة بلاغات بنيابة الأسرة والطفل، وبلاغاً لدى قسم شرطة حلة كوكو، وتتابع مع لجنة المفقودين ومحامو الطوارئ، وتطالب السلطات الانقلابية فقط الإفصاح عن مكانه ليرتاح قلبا أمه وأبيه، ويتمكّن أفراد الأسرة من العودة لحياتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى