أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

غزوة الجبهة الثورية لبلدة «أب كرشولا» في العام «2013»: حرب الظلام للظلام

عبد الله علي إبراهيم

أعيد هنا نشر كلمة لي عن غزوة الجبهة الثورية لبلدة أب كرشولا بوسط كردفان في أبريل 2013. وكنت نشرتها في الجزيرة نت (24 مايو 2013) وأعيدها هنا لدعم حيثيات القضية الجنائية التي تقدمت بها منظمة أب كرشولا للسلام والتنمية منذ أيام ضد الجبهة لخسائر البلدة في الأرواح والمال. وسيرى القارئ أن للجبهة شركاء في الجرم في المعارضة المدنية التي صمتت عن فجور حليفها بالسلاح صمتاً أغراهم على ما نراه منهم لؤم مشين مع الثورة وخذلان مبين لرفاق الأمس.

جاءكم الحساب هذه المرة من أسفل يا عصب الخلاء. وسيأتي دور شعب بلدة اب قمرة الذين شقوا بصراع حركة مناوي وحركة العدل في 2012. بل وسيرفع ضحايا التصفيات الإثنية في قيادة الحركات المسلحة قضاياهم للدولة وبالأكف للرب. وأعلم أن حميدتي سهر على شراء صمت آخرين عن عنفكم بحقهم. وهو الذي يفلق ويداوي.

يبدو أنه كل ما اشتد وطيس معركة المسلحين في الجبهة الثورية (وكانت الحركة الشعبية فيه حتى غادرتها لاحقا) ضد نظام الإنقاذ كلما بان هزال المعارضة السلمية في الخرطوم التي تتمسك بالمقاومة المدنية في تحالف مع المسلحين للقضاء على دولة الإنقاذ. وكانت هذه المعارضة وقّعت مع المسلحين وثيقة “الفجر الجديد” في يناير 2013. ثم سرعان ما أنكرتها حين ضيقت عليها الحكومة. ولم تنقض أربعة شهور من مأزق المعارضة مع الفجر الجديد حتى وضع المسلحون حلفاءهم في المعارضة المدنية أمام حرج جديد في 27 إبريل بغزو عدد من مدن ولاية شمال كردفان بالوسط الغربي للبلاد من معاقلهم في جنوبها حتى صاروا على مسافة 187 ميلاً من الخرطوم. وسموا الغزوة ب”الفجر الجديد” بغير اعتبار لشركائهم في اسم لم يجف حبر مداد الخلاف حوله بعد.

وكانت الغزوة معرضاً لعنف ضد أهداف مدنية ومدنيين لم يمس القوات النظامية منه سوى ست عشرة شرطياً من حراس البنوك وأبراج الخدمات وبوليس الحركة.

وعلى أن اسم مدينة أم روابة هو الذي رشح في الأنباء في أعقاب الهجمة إلا أن أب كرشولا هي البلدة التي تحملت أذى ذلك الهجوم وزعزعته ودمويته. فلا غلاط أن الهجوم روّع أم روابة وترك خراباً في أبراجها للكهرباء، والاتصالات، والمصارف مع القتل. وحكى أحد الناجين أن المهاجمين أخذوا هاتفه السيار ثم قرر أحدهم جزافاً قتله لم يرده عن ذلك أحد. فأطلقوا النار عليه وتركوه فقيض الله له الحياة.

ولكن فظاعة الهجمة وضحت في بلدة أب كرشولا. فروايات الفارين عنها اتفقت أن القتل فيها كان على الهوية السياسة والعرقية. فقتلوا 16 مواطناً في أب كرشولا واختطفوا 9 مواطنين إلى مكان مجهول. وأصبح مؤكداً أن ذلك تم على ضوء قوائم أعدها أعضاء بالجبهة الثورية اسفروا لحظة الهجوم وبلغوا عن جيرانهم ودلوا عليهم. بل تسامعنا عن محاكم إيجازية انعقدت.

كان مقتل العالم الحافظ محمد أبكر من أوضح الدلائل على التخلص من الخصم السياسي. فالمرحوم ينتمي للأنصار الذين هم شيعة الإمام الصادق المهدي وقاعدة حزبه، حزب الأمة. ولما قاطع حزب الأمة الانتخابات لوالي جنوب كرفان وقف المرحوم مع أحمد هارون من المؤتمر الوطني الحكومي بعصبية القبيلة أو العرق فكلاهما من عرب البقارة. وفاز هارون على عبد العزيز الحلو مرشح الحركة الشعبية، وقائد الهجوم الأخير على شمال كردفان، الذي لم يقبل بتلك النتيجة برغم تأمين مركز كارتر عليها. وكانت دوائر أب كرشولا، فيما يقال، هي التي رجحت الكفة للمؤتمر الوطني. ولو صح هذا التفسير الذائع لكان حديث الحركة الشعبية عن سودان جديد قفزة طويلة في الظلام.

لم ينهض دليل قاطع بعد على القتل بالهوية العرقية إلا أن فرار 27 ألفا من سكان بلدة أب كرشولا من جملة 48 ألف قاطن أغلبهم من عرب البقارة من وجه جيش قوامه “هامش” أفريقي، لمؤشر على الترويع العرقي. فغريزة الحياة هرولت بهذه الأعداد الكبيرة في جنح فجر بعيداً من بلدهم إلى معسكرات للحكومة في بلدة الرهد. وهو فرار ربما شهد بأنهم خافوا أن يحاسبوا بجريرة الحكومة الموصوفة بالعربية. وكانت لحظة الهجوم والفرار كيوم يفر المرء من أخيه.

فجاء في الصحف أن سيدة اسمها عسكرية وجدت طريقها للهرب مع ابنها مستحيلاً بعد أن عثرت على أطفال نسيهم أهلهم، فأمنتهم في موضع ما، وعادت إلى البلدة، فأعدت لهم طعاماً خفياً وعلى عجل، وساقتهم بحرص نحو بلدة الرهد فأدركها أهل الخير وأعانوها. واستقبلها النازحون في الرهد استقبال الأبطال فردت لهم عيالهم. بل بدأ الحديث يتسرب من معسكرات النازحين عن حالات اغتصاب على العرق أيضاً.

جددت مبادرة المسلحين الحديث عن إفلاس المعارضة السلمية لأحزاب الخرطوم التي تعاني من إشكالية ذات قرنين. فهي من جهة لم تستثمر في حقولها التقليدية في النضال المدني لتكون الحليف المستحق للمسلحين. فقد أعفت نفسها من تحليل مجتمع الإنقاذ، وتحولاته الفظة للمجتمع لربع قرن، بحجة أنه غير شرعي وما بُني على باطل باطل أيضاً. فهي لا تنفذ بالرؤية لسودان ما بعد الإنقاذ كما يهفو له الناس الذين اكتووا بحكمها ويريدون ضمانة بأن البديل لن يكرر الإنقاذ ولا سابقاتها.

ولم تقع المعارضة بعد على بديل تستنفر به الناس. واستبدلت ذلك بمضغ وثائق ثوراتها القديمة بمطالب مجردة عن استقلال الجامعات والقضاء وغيرها. ولما أصدرت برنامجاً للبديل طفح بهذه العموميات، بل قالت نصاً إن قضايا الاقتصاد والتعليم وغيرها ستناقش في مؤتمرات تنتظر سقوط الحكومة. وبدلاً من نقد الواقع لتطرح نفسها كبديل جاذب صارت في قول أحدهم، عالة على الواقع.

القرن الآخر للإشكالية أنه لم يتفق للمعارضة بعد انتهاج طريق العنف مع النظام برغم قناعة لم تمل من تكرارها هي أن الطريق السلمي مسدود مع حكومة لا تستجيب إلا لحملة السلاح. وما منعها ربما إلا أنها جربته في سنوات التسعينات حين تركزت كادراتها في أسمرا وعادت منه بخفي حنين. فحاصرها المسرحون من جيوشها بعد صلحها مع الإنقاذحول حقوق لم توف بها الأحزاب بلغت المحاكم. ثم ها هي لا تكف تجد العذر حتى لانتهاكات المسلحين لحقوق الإنسان التي ترعاها بذريعة أن عنفهم كان كُرها لهم اضطرهم إليه النظام البغيض. وكأن الاضطرار لم يطلهم هم أنفسهم دون أن يتنازلوا عن النهج السلمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى