أخبارتقارير وتحقيقات

السودان: ما سياق عودة الميرغني بعد غياب لأكثر من 9 سنوات

عودة زعيم الحزب الاتحادي الأصل، محمد عثمان الميرغني، للبلاد في هذا التوقيت، بعد غياب لأكثر من 9 سنوات، جعلت البعض يتساءل عن الأسباب الحقيقة وراءها.  

التغيير – الخرطوم: علاء الدين موسى

ووصل الميرغني، يوم الاثنين، إلى الخرطوم قادما من العاصمة المصرية القاهرة عبر طائرة خاصة بتوجيه من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي،  “بحسب وسائل إعلام مصرية”.

وتأتي عودته مع قرب توصل الحرية والتغيير  إلى اتفاق مع العسكريين بإشراف الآلية الثلاثية، لتثور التساؤلات حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الميرغني في المرحلة المقبلة، وفي أية وجهة سيتموضع الحزب الاتحادي. 

وكان المئات من أنصار الطائفة الختمية اصطفوا بمحيط مطار الخرطوم منذ وقت مبكر من صباح يوم الاثنين لاستقبال زعيمهم الروحي، الذي غادر البلاد في 2013م  وقضي 9 سنوات متنقلا بين القاهرة ولندن والرياض. 

 

جمع الصف

 

لم يستطع الميرغني مخاطبة أنصاره ومريده بمسجد السيد عبد الرحمن بالخرطوم بحري، واكتفي برفع الفاتحة ليفسح المجال لنائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل جعفر الصادق الميرغني للحديث في المؤتمر الصحفي.

وقال  جعفر، إنّ الميرغني عاد إلى السودان من أجل جمع الصف، توحيد الكلمة، لم الشمل والدعوة للوفاق بين أهل الوطن الواحد بعد الصعوبات التي مر بها السودان في الفترة السابقة منذُ قيام الثورة واختلاف الآراء والتوجهات السياسية.

ووصف جعفر عودة الميرغني بالعيد، وقال: “هذا اليوم المبارك وهو عيد بقدوم صاحب السيادة محمد عثمان الميرغني، هذا المشهد العظيم الذيّ نراه الآن انتظرناه طويلاً لرؤية فجر عودة مولانا الميرغني للوطن”.

 

حسم المتفلتين 

 

والأسبوع الماضي، أعلن “الميرغني” دعمه لقادة الانقلاب  في السودان ورفض ما أسماها الإساءة للقوات المسلحة. 

وأكد تكليف  نجله جعفر الميرغني، بمواصلة عمله في الحزب بحسم من وصفهم بالمتفلتين داخل مؤسسات الاتحادي الأصل المختلفة. 

وبهذه الخطوة، قطع زعيم الختمية الطريق أمام نجله الآخر محمد الحسن الميرغني” بتكليف جعفر الصادق الميرغني المنحاز للمكون العسكري الانقلابي ومجموعة التوافق الوطني الداعمة لانقلاب قائد الجيش في  25 أكتوبر من العام الماضي.

وقال الميرغني في تصريح عبر “فيديو” مسجل، إن القرارات المستعجلة والسعي إلى انضاج حلول قبل وقتها قد يجلب مفسدة وضرراً كبيراً. 

وأضاف: “لذلك نجدد تحذيرنا من مبادرات يؤدي إلى تعقيد المشكل السوداني وتقوده إلى الاتجاه الخاطئ وتجريب المجرب”. 

وكان الحزب الاتحادي الأصل مشاركاً في حكومة النظام البائد حتى سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير الذي أطاحت  به ثورة شعبية في ديسمبر من العام 2019 . 

 

عرقلة التسوية 

 

وعقب الانقلاب العسكري الذي قاده “البرهان” انحاز الاتحادي الأصل إلى الإنقلابيين ودعم مجموعة الحرية والتغيير التوافق الوطني المشاركة في حكومة الانقلاب. 

ومؤخراً وقع الحزب على الإعلان السياسي في التسوية السياسية المطروحة حالياً بين المكون العسكري والحرية والتغيير المجلس المركزي. 

فيما يرى مراقبون، أن عودة الميرغني في هذا التوقيت الغرض منها عرقلة التسوية السياسية المطروحة في البلاد بعدما تم الإعلان عن اقتراب التوقيع على الإعلان الإطاري بين مركزي التغيير والمكون العسكري في الاسبوع المقبل. 

وتوقع المراقبون، أن تكون عودة الميرغني بمثابة السيناريو الذي أعده العسكر بمساعدة دول خارجية لإجهاض العملية السياسية التي تعمل على إخراج العسكر من السطلة وعودتهم إلى الثكنات.

 

 لقاء سري 

 

وفي الأيام الماضية تحدثت بعض المواقع الإخبارية عن اتفاق سري بين رئيس مجلس السيادة الانقلابي عبد الفتاح البرهان وزعيم الطائفة الختمية محمد عثمان الميرغني، وأشارت إلى أن هنالك صفقة سياسية جرت بينهما خلال زيارة البرهان للميرغني بمقر اقامته بالقاهرة في الأشهر الماضية.  

إلا أن مصادر مطلعة نفت لـ”التغيير” أن يكون البرهان والميرغني عقدا صفقة سرية بينهما، وأشارت المصادر إلى أن اللقاء كان طابعه اجتماعي ولم يتطرق إلى أي حديث عمل سياسي قادم بين المؤسسة العسكرية والحزب الاتحادي الأصل. 

وشددت المصادر على أن الميرغني متمسك بمبادرته التي طرحها لحل المشكلة السياسية في السودان، وانه يراهن عليها عقب عودته للبلاد. 

 

صراع داخل البيت 

 

وقبيل ساعات من عودة الميرغني، حذرت جهة غير رسمية اسمت نفسها “القيادة التاريخية للحزب الاتحادي” في بيان من استغلال العودة في الفتنة والوقيعة داخل بيت الميرغني، ونادت بضرورة وقف تأجيج الصراع بين الأشقاء. 

واوضح البيان، أن هنالك جهات مستفيدة من الصراع الحالي بين جعفر والحسن لتحقيق مصالح شخصية. 

وقال إن هنالك جهات تعمل على خلق تحالف بينها وبين العسكريين والمليشيات الموالية بعيداً عن القوى الثورية وأحزابها الوطنية” “بحسب” البيان”. 

وأضاف البيان، أن من الصعب على الحسن الميرغني التحرك بعيداً عن مظلة والده محمد عثمان الميرغني”. 

وتابع البيان: “أن تكليف جعفر الصادق بحسم المتفلتين إشارة واضحة أن مولانا غير راض عن تصرف الحسن والأمين السياسي الموقوف إبراهيم الميرغني واضطر معه للخروج علنا في تسجيل مرئي ومسموع ليعلن موقفه الرسمي”.  

وقالت القيادة، إنها لا تتوقع أن يعلن الحسن معارضة علنية لخط محمد عثمان الميرغني لتقديرات كثيرة محيطة بشكل العلاقات المعقدة داخل الحزب والذي تعلو فيه قداسة الأسرة والطريقة على ما دونها”. 

 

مغادرة الحسن 

 

وكانت أبناء راجت عن رفض الميرغني النزول من الطائرة إلا بعد مغادرة الحسن مغادرة المطار، الأمر الذي دفع  مكتب محمد الحسن عثمان بيان اتهم مجموعات قال إنها أدعت أنها من الاستخبارات والشرطة والاحتياطي المركزي طوقت الحسن ومنعته من استقبال والده الميرغني عند وصول طائرته لمطار الخرطوم وخروج محمد الحسن لاستقباله.

وأوضح المكتب أنه تم اقتياد موكب الحسن بواسطة عربة الشرطة المرافقة إلى منزل غير معروف بالقرب من القيادة العامة وطلب منه الدخول بمفرده إلى المنزل ولكنه رفض وتوجه مع الوفد المرافق له إلى المطار لحضور وصول طائرة الميرغني.

وأضاف البيان: تم تطويق الطائرة في محاولة لمنعه من استقبال والده وبدت مظاهر من العنف المتعمد والاشتباكات مع مرافقي سيادته حيثُ تم ركل وضرب بعضهم وكان جلهم من كبار خلفاء الطريقة الختمية من ولايات السودان المختلفة.

وأوضح البيان: “عندها قرر السيد محمد الحسن مغادرة المطار درءًا للفتنة واحترامًا لمقام سيادة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني”.

وأدان مكتب الحسن ما وصفه بالسلوك المشين والإزدواج في المعايير والانحياز والتدخل السافر في شئون الأسرة الميرغنية والطريقة الختمية والحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل الذي مارسته الجهات التي تولت تنظيم وترتيب استقبال الميرغني.

وبحسب مصادر مقربة من الحسن، فإن الحسن سيعقد لقاء مع محمد عثمان الميرغني يناقش من خلاله التطورات الأخيرة التي حدثت في الحزب وانحياز الميرغني إلى جعفر في الفيديو المسجل الاسبوع الماضي ليقرر من بعده أي الطرق يختار. 

 

انتكاسة كبيرة 

 

ويرى المحلل السياسي عبد الله رزق، أن عودة الميرغني للبلاد في هذا التوقيت مرتبطة بظروف داخلية سرية وحزبية، وظروف سياسية عامة. 

وقال رزق لـ”التغيير” لأول مرة يحدث خلاف علني داخل أسرة الميرغني بين اثنين من ابنائيه، وبشكل يجعل الميرغني الأب ينضم بصورة علنية لمناصرة أحد أولاده على الآخر، في وقت بدء الحزب الارتهان لمنطق الوراثة يتصارع فيه آل الميرغني، وهذه تعد انتكاسة كبيرة لحزب الحركة الوطنية الذي يشكل أحد مرتكزات الديمقراطية في السودان.

وأضاف: “أسباب الخلاف بين محمد الحسن الميرغني وجعفر الصادق الميرغني غير معلومة، لكنها بدت معالمها تظهر منذ الفترة الأخيرة من عهد البشير، حيث تبادل الشقيقان مركز مساعد رئيس الجمهورية”. 

وأشار إلى أن الميرغني ليس باستطاعته النهوض بالحزب والقيام بالأعباء المتمثلة في مهام مرشد الطائفة والحزب، لهذا جاء التفكير على من يخلف الميرغني في السجادة، لافتاً إلى أنها ربما تكون هذه واحدة من أسباب الخلاف بين الحسن وجعفر. 

 

مواقف سياسية 

 

وأوضح رزق أن الميرغني انحاز إلى جعفر الصادق الميرغني بعد أن تم تعينه نائب له في رئاسة الحزب. 

وقال من الملاحظ، إن الشقيقين اتخذا مواقف سياسية بدلالة الانقسامات الموجودة في الساحة السياسية وانحياز الحسن الميرغني للقوى الداعمه للعملية السياسية وانحياز جعفر الصادق للمجموعة الأخرى الكتلة الديمقراطية الداعمة لانقلاب قائد الجيش. 

وقال إن تصريح الميرغني حول التدخل الأجنبي المقصود به النشاط الذي تمارسه اللجنة الثلاثية في مسعاها لتفكيك الأزمة السياسية في البلاد منذ انقلاب  أكتوبر بدعم من الآلية الرباعية. 

وأضاف: “بعد أن نأت مصر بأنها تكون جزءاً من اللجنة، بجانب ما يقال عن الدستور الذي وقع عليه الحسن الميرغني الذي ترى بعض القوى السياسية ان جهات أجنبية قامت بصياغته. 

وتابع: “بالتالي تعريض الميرغني في التصريح يعني تلك الجهات التي تقف وراء مشروع التسوية ويعمل على مساندتها الميرغني”. 

 

مساندة الجيش 

 

وأكد المحلل السياسي أن تصريح الميرغني حمل أيضاً إشادة بالقوات المسلحة ودعمها ومساندتها ويعني بصورة أو بأخرى مساندة قيادت القوات المسلحة المتمثلة في الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الذي يشكل ركناً في الصراع السياسي، ويشكل السلطة السياسية التي يتصارع حولها الأطراف المختلفة. 

لذلك مجئ الميرغني يعني التعامل مع هذه الملفات، بما في ذلك ملف التعامل مع السلطة السياسية والمبادرات السياسية، فضلاً عن حسم الصراع في داخل الحزب زداخل البيت الميرغني.

 وقال إن الحزب شهد تشظيات واسعة جداً، وبعض المراقبون اعتبروا أن مجئ الميرغني له تأثير على التجمع الاتحادي باعتباره فصيل اتحادي ناشط في تحالف قوى الحرية والتغيير وهو أحد ثلاثة أحزاب تتولي التفاوض المباشر وغير المباشر مع المكون العسكري حول العملية السياسية تحت إشراف الآلية الثالثة. 

ويرى رزق أن موقف الميرغني غير معزول من الموقف المصري كما  أن مصر استعدت اللجنة الرباعية ويبدو أن لها رؤية مختلفة فيما يتعلق بمشروع  الرباعية الذي  يدعم عملية الانتقال الديمقراطي بقيادة مدنية وتوئد دور العسكرين في السلطة السيادة مثلما  كان فترة الشراكة السابقة. 

لذلك مجئ الميرغني يحمل هذه الدلالات والقيام بدور مساند للمكون العكسري في إطار رؤية تعارض توجهات التسوية الراهنة ومحاولة تعديلها بما يتواءم مع الميرغني وحلفائه. 

وقال إن الميرغني أقرب للبرهان والقوى التي تدعم العسكريين بسبب أن حزب الميرغني ظل شريك في نظام البشير حتى سقوطه، وبذلك أصبح الحزب خارج عداد القوى الثورية المعنية بإدارة الفترة الانتقالية وتم عزله بشكل كبير، ولهذا يجد الحزب نفسه تلقائياً يصطف مع بقايا نظام البشير والجماعات المناهضة لقوى الحرية والتغيير والتي تسعي للاستقواء بالعسكر من أجل تمكينهم ليكون لدور دور في مستقبل الحياة السياسية في البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى