أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

دوائر الخريجين أو فضائح الصفوة «1-2»

عبد الله علي إبراهيم

(تعرض الثورة المضادة قيام الانتخابات حيلة “ملوص” للتخلص من الفترة الانتقالية نفسها. وقد عجبت لتطاول الفلول وقد خرجوا يعرفون للناس مطلوبات الفترة الانتقالية. ويفعلون ذلك بالوجه الذي يقول السودانيون إنه يخول لصاحبه أكل الصدقة. العرفكم بالانتقالية شنو؟ طلبتوها متين؟ حدكم معروف: حوار الوثبة المزغول (يقال للبن مزغول حين تديهو كوز موية). وقالت الحجوة الما يسوانا يدخل في نساءنا (آسف للمثل الذكوري وجاء عندي مكرهاً). وقال المثل الفاضي يعمل قاضي. والفلول كيسهم فاضي من الشوق للانتقال بعد ثورة تزيح نظاماً وقضاؤهم حول شروطه بالنتيجة مكاء وتصدية.

ولم تكن الانتخابات بعد نهاية الإنقاذ شاغلاً للمعارضين. أعنى لم يفكروا فيها مع أنها أول ما يصطدمون به بعد نجاح ثورتهم. فما قامت الانتخابات على المبدأ الليبرالي (صوت واحد للمواطن) حتى خسروا خسراناً مبيناً لأن للسادة في الأحزاب التقليدية الصوت الزائد الذي يمكنهم من احتلال البرلمان. ويكفر من جاؤوا بالديمقراطية بها. وهاك يا شناف: ديمقراطية طائفية، لو رشح السيد حجراً لفاز، ما عندنا ثقافة ديمقراطية، نحن مصابون بالعقل الرعوي”. وتختلي جماعة منهم مع صنوهم في الجيش ويرتكبون الانقلاب.

أنشر هنا مقالاً قديماً فتح ملف الانتخابات حول دوائر الخريجين. ونقدها في الممارسة كما سترى لا يعني فسادها ثم الغائها. فصار التفكير في تخصيص مثل هذه الدوائر لفئة من المواطنين أو أخرى مشاعاً في مثل كتابات الإمام الصادق المهدي والدكتور الطيب زين العابدين عن “الديمقراطية التوافقية” التي تتعاقد الأمة فيها على كفالة التمثيل المعقول لطوائفها حتى لا تعتزل أقلية ما الديمقراطية فتعتدي عليها اثناء أداء واجباتها. وتفرض نفسها بالانقلاب مصححاً بالقلم الأحمر لها. وشفنا تصحيحهم في الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي والمؤتمر الوطني) الذي رأينا منه استبداداً كانت الديمقراطية الطائفية أرحم منه.
إلى المقال القديم

تحولت الدعوة إلى مراعاة تمثيل القوى الحديثة في أجهزتنا التشريعية تمثيلاً زائداً على الصوت الواحد للمواطن إلى عقيدة جامعة مانعة. وفيها داء مع ذلك بدأ مع استنكارها أن تعيد النظر في منطقها الذي أنشأها أول مرة حتى حين افتضاحه وبيان مفارقته أو خطئه. وظل اليساريون خاصة يعيدون هذه التميمة السياسية كلما أستجد الحديث عن سداد الديمقراطية واستدامتها (في قول مبتكر للسيد الصادق المهدي) لتأمين قوى الحداثة والتغيير من اكتساح القطاع التقليدي “المتخلف” أو حتى “البدائي”.

لم أقرأ بعد من أخضع صحة هذا الزعم، أو الأمنية اليسارية، عن القوى الحديثة واستدامة الديمقراطية لخبرتنا التاريخية في دوائر الخريجين. وهي أقدم تطبيق لفكرة إعطاء الصوت الزائد لقوى بعينها حتى لا تحول قلة عددها من الحضور الثاقب في الجهاز التشريعي إذا تركنا الحبل على الغارب: حرة مباشرة وصوت بصوت. فقد جرى الترشيح لدوائر الخريجين منذ انتخابات 1954 (5 دوائر). وكانت نتائجها باباً فريداً من فضائح الصفوة. فالظاهرة التي طغت في هذه الانتخابات هي الاكتساح الحزبي المؤزر الذي أفسد النبل الفكري الذي كان من وراء فكرة قيامها في المكان الأول. فقد اكتسح الوطني الاتحادي هذه الدوائر في 1953 (3 من 5)، ثم جناها الحزب الشيوعي في 1965 (11 من 15)، و”وكاوشتها” الجبهة الاسلامية القومية في 1986 (26 من 28).

والاكتساح نقيض لأمر تأسيس هذه الدوائر. لأن الثقة في الفئة المميزة المثقفة أن يقيها العلم والعقل من الميل بهذه الدوائر ميلاً حزبياً أحادياً، وأن تنهج بها منهج تمثيل الطيف العقائدي والسياسي ما أمكن تمثيلاً يتعلم منه الشعب المنسوب الى الجهل والتباعة القبلية والطائفية. وكان الأمل أن تعتبر فئة الخريجين المرشح قبل الحزب في التصويت، وأن تنتقي من بينها الأفراد الذين تميزوا بغزارة المعرفة، وعفة النفس، ومهارة القيادة في الحقل المهني. وقد وقع شيء من هذا بقدر محدود جداً. ففي انتخابات 1953 فاز المرحوم حسن الطاهر زروق الشيوعي خصم الاتحاديين، وفي انتخابات 1965 فاز الدكتور الترابي على رأس قائمة الخريجين، وجاء زميله محمد يوسف محمد في ذيل الفائزين، وانتزع السيد صالح محمود إسماعيل مقعداً للوطني الاتحادي، واستولى الشيوعيون على ما تبقى.

أما في انتخابات 1986 فقد تلاشت حتى هذه الذبالة الضئيلة التي هي ما تبقى من معنى دوائر الخريجين. فقد “خمها” التيار الاسلامي ما عدا دوائر ثلاث في الجنوب برغم وجود مرشحين على قدر جميل من الفردية الباسلة والاستقلال غير المشوب. وهكذا انتهت دوائر الخريجين الى تراكم حزبي عادي. وصح فيها ما ظل يأخذه اليسار والليبراليون على دوائر القطاع التقليدي من أنها حكر لزعماء الطوائف والقبائل، وأنهم لو رشحوا حجراً لفاز. ففي انتخابات 1986 كان بإمكان الجبهة الإسلامية القومية أن ترشح حجراً فينبت نائباً في دوائر الخريجين والبرلمان.
أحزنني تردي دوائر الخريجين الى هذه الحجرية الطائفية.

ونواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى