أخباراقتصادتقارير وتحقيقات

التسوية السياسية في السودان.. تأثيرات محتملة على موازنة 2023م!!

قلل خبراء من إحداث التسوية السياسية المرتقبة في السودان، تأثيرات إيجابية على موازنة العام 2023م التي صدر منشور أعدادها بالفعل دون اختلاف يذكر عن موازنات سابقة.

التغيير- الخرطوم: الفاضل إبراهيم

أصدرت وزارة المالية في الحكومة السودانية الانقلابية مؤخراً منشور إعداد مقترحات موازنة العام المالي 2023م، في ظل وضع سياسي واقتصادي وأمني معقد، ينتظر حلاً سياسياً للأزمة التي خلفها انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 اكتوبر 2021م، حيث باتت الآمال معلقة بالتسوية السياسية المنتظرة.

وبحسب مختصين فإن الموازنة المقبلة لا تختلف كثيراً عن العام 2022م لأنها تركز على الضرائب والجمارك في الإيرادات المحلية بعدما أقدمت الصناديق الدولية والبنك الدولي والداعمين على تجميد دعمهم للسودان عقب الانقلاب.

ويرى البعض أن إرهاصات توقيع اتفاق سياسي جديد بين قوى الثورة والمكون العسكري ربما تحدث بعض التغييرات في الموازنة.

تحذيرات المالية

وكان  وزير مالية الحكومة الانقلابية جبريل إبراهيم، أكد أن موازنة 2023 تم إقرارها «بالاعتماد على موارد البلاد الذاتية»، وحذر من «تداعيات قاسية على الأوضاع الاقتصادية في ظل وقف الدعم الدولي».

وتوقع جبريل بروز «مؤشرات انكماشية وتذبذب أسعار العملة، نتيجة للتحكم الشديد في عرض النقود، الذي بدوره يؤدي إلى فقدان وظائف وإغلاق المصانع والشركات التي قد تؤدي إلى تعميق المشكلة الاقتصادية في البلاد».

نمطية

واعتبر الاقتصادي والأكاديمي د. أحمد سالم في حديثه لـ«التغيير»، أن أهداف الموازنة لم تخرج عن النمط التقليدي لأهداف الموازنات السابقة والتي تركز دائماً على تحقيق الاستقرار الاقتصادي المطلوب عن طريق معالجة جميع الاختلالات الهيكلية والمؤشرات السالبة في الاقتصاد وتنفيذ برامج التنمية المستدامة لـ«2020- 2030» والذي يتطلّب تحقيق مبدأ الشفافية والمساءلة والانضباط المالي والحوكمة والإصلاح المؤسسى.

وقال إن الأهداف الواردة في الموازنة المقبلة أنها ستعتمد على تطوير وتفعيل مصادر الإيرادات الذاتية من خلال زيادة كفاءة التحصيل والجهد المالي والضريبي للدولة وترشيد الإعفاءات الجمركية والضريبية والاستمرار فى سياسة التحرير ورفع الدعم، والعمل على مراجعة قانون تشجيع الاستثمار، إضافة إلى خفض العجز الجاري في الموازنة إلى مستويات آمنة.

أولويات وأهداف

وذكر سالم أن من أولويات الموازنة السيطرة على العجز الكلي والدين العام، على أن تكون من أولويات سياسات الإصلاح المالي العمل على خفض الانفاق العام وزيادة الانفاق التنموي والانفاق الموجه لصالح الحماية الاجتماعية بالتركيز على التعليم والصحة وتخفيف أعباء المعيشة بوضع السياسات اللازمة لتقليل الآثار السالبة لسياسة التحرير الاقتصادي.

وأشار إلى أن الموازنة شدّدت على الإيفاء بمطلوبات اتفاقية السلام وتوفيرها، كما تهدف لتحقيق ولاية وزارة المالية على المال العام وتوجيه التمويل المصرفي نحو القطاعات الإنتاجية خاصة قطاع الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي.

وقال سالم إنه إذا استطاعت وزارة المالية التغلب على التحديات التي تواجه موازنة هذا العام فإنها ستنجح جزئياً في تحقيق بعضاً من هذه الأهداف، وإلا فإنها ستكون كسابقاتها من ميزانيات الحكومة الانتقالية وستستمر مشكلة إدارة الملف الاقتصادي وتزيد معاناة المواطنين المعيشية.

تأثير التسوية

من جانبه، وصف الباحث الاقتصادي بابكر أحمد عبد الله، ميزانية 2023م التي ظهرت ملامحها ولم تظهر أرقامها بأنها عبارة عن «ميزانية مرتبات بامتياز»، ولا مجال فيها للتنمية في ظل الخنق الاقتصادي الذي يعيشه السودان «وهذا ديدن ميزانيات السودان منذ 2015م».

وفيما يتعلق بربط التسوية السياسية المرتقبة- إن حدثت- بتحسين الميزانية من خلال الإفراج عن الدعم الدولي قال بابكر لـ«التغيير»: «لا أعتقد أن التسوية القادمة ستكون ذات قيمة كبيرة في فك الدعم الدولي المحجوز بسبب الانقلاب، لأن الدعم الدولي لن يكون نقدياً أو سائلاً وإنما دعم تنموي لخطة مشروعات مطروحة ممرحلة لتنمية اقتصادية مستدامة في ظل نظام مدني ديموقراطي.

وأضاف أن التسوية السياسية المتوقعة يمكن أن تحقّق البرنامج المطلوب لفك حجز الدعم في ظل التجاذبات الظاهرة في الساحة المناهضة لها والداعمة لمواصلة الحكم الشمولي الظلي.

وتابع: «بالتالي فإن الرؤية غير واضحة وقد تتم التسوية ولكنها لن تكون حافزاً مقنعاً لاسترجاع الدعم الموقوف».

ولفت إلى أن الدعم الخارجي أصلا لم يتوقف إلّا لسبب واضح «الانقلاب» وطالما أنه ما زال باقياً فعليه لن يفلح الالتفاف حول السبب الأساسي في إزالته.

وتساءل بابكر: «هل توجد تسوية حقيقية أم أنها مناورات انقلابيين لكسب الوقت؟».

اختلالات

د. أحمد سالم، نبّه إلى أن الاقتصاد السوداني يعاني من اختلالات هيكلية ومؤشرات سالبة لازمته لما يزيد عن الأربعة عقود، ومؤخراً هنالك حالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي أثرت سلباً على الاقتصاد.

وأشار إلى العجز المستمر في الميزان التجاري وميزان المدفوعات لأكثر من ثلاثين سنة والعجز المستمر والدائم في الموازنة السنوية وزيادة الدين العام وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع سعر الصرف، مما نتج عنه ارتفاعاً كبيراً في الأسعار أدى إلى مضاعفة معاناة المواطنين المعيشية.

وقال سالم: «من التحديات التي تواجه جميع الموازنات خلال الفترات السابقة ترشيد وتقليل الصرف على جهاز الدولة المترهل والتحكم في ميزانية الأجهزة الأمنية وإعادة هيكلة مصروفاتها ليتم بذلك زيادة المصروفات على المشروعات التنموية».

وأضاف بأن من التحديات التي تواجه هذه الموازنة أيضاً تنفيذ الالتزامات المالية المترتبة على إتفاقية سلام جوبا والذي يحتاج لأكثر من سبعمائة وخمسين مليون دولار في السنة والتي يتوجب توفيرها، وتوفير المال اللازم لمقابلة إعادة توطين النازحين والمهجّرين، والقيام بعملية الدمج والتسريح لقوات الحركات المسلحة، ودفع التعويضات والصرف على مشروعات التنمية والخدمات في المناطق المتأثرة بالنزاعات والحروب.

ونوّه إلى أنه لا زالت آثار جائحة «كورونا» الاقتصادية على العالم مستمرة، إضافة إلى آثار الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الطاقة ومشكلة التغير المناخي وشح الغذاء العالمي، وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض تدفق الدعم الإنساني والمنح والهبات والمعونات وفرص الحصول على التمويل والقروض الميسّرة من المؤسسات المالية العالمية ومن المجتمع الدولي للمساعدة في قيام مشروعات البنى التحتية والتنمية والخدمات.

تحقيق الاستقرار

ولفت سالم إلى أن ثورة ديسمبر وإسقاط حكومة الإنقاذ في 2019م أدت لإنفراج في علاقة السودان بالمجتمع الدولي وتم إنهاء الحصار الاقتصادي ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتم عقد عدد من الإجتماعات مع الهيبك وبعض المؤسسات الدائنة للسودان، إلّا أن عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي لازم الأداء في الفترة الانتقالية السابقة وعدم السير في إتجاه الحكم المدني والتحول الديمقراطي وضمان الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة نسبة للصراع المستمر بين المكونين المدني والعسكري أدى إلى عدم استفادة السودان من الانفراج الذي حدث في علاقته الجديدة مع المجتمع الدولي والوصول إلى نقطة الإنجاز وإعفاء أو إعادة جدولة الديون الخارجية، وهذا من أكبر التحديات التي  تواجه هذه الموازنة.

وتساءل سالم: «كيف يمكن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني خلال ما تبقى من الفترة الانتقالية حتى يتمكن السودان من إعفاء أو جدولة الديون الخارجية الشئ الذي من دونه لا يمكن لوزارة المالية الحصول على قروض وهبات ومنح وعون إنساني جديد من المؤسسات المالية العالمية؟».

وأضاف: «كل هذه التحديات تقابل موازنة 2023 عند التنفيذ مما يجعلنا نقول إنها ستكون كسابقاتها حيث من الصعوبة بمكان التغلب على هذ التحديات والسودان الدولة في أضعف حالاته يفتقد الاستقرار السياسي والأمني وتغيب عنه الرؤية الكلية لإدارة الدولة».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى