أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

المونديال: خواطر غير كروية

خالد فضل

منافسات كأس العالم توفر فرصة تأمل عالمية كل أربع سنوات , وفرصة للمعرفة الإنسانية ومتابعة التقليعات والموضات وسرا ( فرصة اختلاس النظر لحسناوات العالم من المشجعات الجميلات ) , وأتمنى ألا تحذف حكومتنا الموقرة ما بين القوسين ؛ خاصة وأن وسيط التواصل عبر هاتفها !!

توحيد الأنظار تشتيت المشاعر:

مليارات الأعين تتوحد عبر العالم من خلال التركيز على شاشات التلفاز , هذه حقيقة , بيد أن المشاعر شتى , وحدهم اللاعبون النجوم هم من تهفو لهم أفئدة الأغلبية حتى لو كانوا يلعبون ضد منتخب البلد , ميسي ؛ ذاك البرغوث الأرجنتيني , والبرشلوني المعتق ولو انتقل لباريس سان جيرمان , أتصور أن الشباب السعوديين قد فرحوا لفوز بلادهم على الأرجنتين قدر حزنهم على خسارة ميسي وبقدر ما فرح البرهان الذي أبرق الملك السعودي مهنئا بالفوز فردّ عليه جلالته بدعوته لحضور القمة العربية الصينية في الرياض , ومن الواجب أن يبعث نائب البرهان برسالة تهنئة مماثلة لولي العهد بمناسبة تصويبة اللاعب (كنو) في مباراة بولندا التي مرت جوار القائم بقليل , ولكن هل يا ترى زعل البشير لهزيمة صديقة ميسي (سيد الفنيلة البيضا مكتوب عليها الريدة دقستي ليه) !! ولداي الكبيران حزنا لهزيمة ميسي وشقيقهما الأصغر شمت فيهما ؛ فهو من أنصار رونالدو كرستيانو والنادي الملكي , وشاشة التلفاز واحدة بمشاعر شتى أوضح ما تكون عندنا في السودان , الطبع الإفريقي يغلب التطبع العربي , ومتابعة رواد أندية المشاهدة خاصة في الأحياء الطرفية تكشف لك ذلك بوضوح فالتشجيع للمنتخبات الإفريقية السمراء , والإعجاب باللاعبين السمر في المنخبات البيضاء , وكان مبهرا بحق مشاركة اثنين من أولادنا من جنوب السودان ضمن منتخب بلادهما (أستراليا) التي ٍآوتهم من شتات الملاجئ وثلاثة أو أربعة من شبابنا السودانيين ضمن منتخب الدولة المستضيفة قطر التي استجلبت ضمن آخرين من جنسيات شتى ليلعبوا بقمصانها , هكذا الكرة الأرضية موطن البشر رغم اختلاف اللسان والعرق والألوان رب البشر واحد , تغني سميرة سعيد.

خروف قطر وعتود دارفور:

ثمّ من ناهض تنظيم قطر لهذه البطولة الكبرى , للمناهضين اهتماماتهم بملف حقوق الإنسان , لا تثريب على الناشطين الحقوقيين فهم أولياء الله الصالحين في هذا الزمان ( والعبارة من استنتاجات صديقنا علاء الدين بشير حياه الغمام ), ولا يمكن كتم الحقيقة في هذه الحالة , فالنظام القطري الحاكم ليس ديمقراطيا كما هو معلوم للكافة , نمط من أنماط الأنظمة الإستبدادية بأي مسمى ومن أي نحلة , الحقوق السياسية والثقافية والإجتماعية تكاد تكون معدومة , صحيح على مستوى المعيشة والخدمات والبنى التحتية لا مغالطة , ولكن هل يحيا الإنسان بالخبز وحده؟ في غمرة هذا , ساد في المواقع السودانية خبر (خرفان مني مناوي لضيافة القادمين إلى قطر , وشاشات حميدتي لمتابعة المباريات) في الواقع قدمت قطر لدارفور تحديدا , اتفاقية الدوحة 2009م التي أبرمتها بعض الفصائل التي تم صناعتها خصيصا من أجل تلك المهمة وسميت بحركة التحرير والعدالة ,أسندت الرئاسة للدكتور تجاني السيسي , وتبع ذلك تقديم الوديعة القطرية بمبلغ 2مليار دولار , لقد كان الخروف القطري سمينا وديكا , لكن د. تاج الدين نيام القيادي في أحد الفصيلين اللذين انفلقت لهما (حركة السيسي رديئة الصنع ) قال في ورشة لرجال الأعمال بنيالا , إنّ 200 مليون دولار فقط هي التي ذهبت لدارفور , ومليار و800 ألف دولار صرفت خارج الإقليم , ذهبت لجيوب هناك !! لقد ناب دارفور (عتود صغير بدل خروف شحمان ) !! وطبيعة الأنظمة التي تقدم الدعومات تلعب دورا مهما حتى في متابعة ومراقبة أوجه الصرف لأن تلك الأموال يفترض أنها تخص الشعب المعني , وهو عليها رقيب ولكن !! يظل دعاة حقوق الإنسان أولياء صالحين في زمن التلفع بالدين أو تديين الكورة بعد تسيسها.

اللافت كذلك هو حضور الأجندة السياسية في هذه المرة بصورة قوية , بل حتى الأجندة الدينية الإسلامية حضرت في قطر , توزيع المصاحف المترجمة , رفع الأذان أثناء المباريات , منع تناول الخمور في الأماكن العامة .. وغيرها من مظاهر التدين الإسلامي , ولا يدري المرء بالضبط إن كانت الحقوق السياسية وحرية الرأي والتنظيم وحرية الإعلام تدخل ضمن منظومة القيم الإسلامية التي يجب اظهارها كذلك أم هي (طلاسم فاجرة) ورجس من عمل الكفار يجب تجنبه ؟ أما ما تلتقطه الكاميرات خفية ؛ ينطبق القول السائد (من برّه هلا هلا ومن جوه عالم الله )!! وهنا لست معنيا صراحة بموضوع حقوق المثليين فهو موضوع مختلف حوله , الرئيس الكيني أوهورو كينياتا كان قد ردّ على كلمة للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في زيارته لبلد جذوره من أبيه ؛ بما معناه : (إنّ هذه المسألة لا تمثل أولوية في ثقافتنا وعاداتنا الإفريقية). من ناحية حقوقية محضة يجب عدم التمييز ضد أي إنسان مهما كان وضعه حتى المثليين يجب عدم انتهاك حقوقهم كبشر لأنهم مثليون مثلما لا يجب منحهم تمييزا إيجابيا كونهم كذلك . السياسة ظلت حاضرة وظاهرة في غير هذا الموضوع الحقوقي ؛مثل صمت لاعبي المنتخب الإيراني عن ترديد النشيد الوطني وتفسير ذلك بانحيازهم للثورة الشعبية المناهضة للحكومة الإسلامية في بلادهم , كذلك رسالة المنتخب الألماني بوضع الأيدي على الأفواه استنكارا لتكميم الأفواه وفرض القيود في هذه الدورة.

وبعد: تمنيات وأحلام

الشوارع التي تفيض بشبابنا وشابتنا وهم ينشدون بناء وطنهم بما يليق , ويرددون النشيد الوطني بطلاقة ,ويقدمون الشهيد تلو الجريح , وآخرهم محمد عمر عبداللطيف في أم درمان الذي ارتقى بينما شباب العالم في ميادين قطر يتنافسون , هولاء الشباب معهم ألف حق في تحقيق أمنياتهم وأحلامهم , كم من معز علي بين صفوف الثوار , كم وكم من موهوب اقتنصه الرصاص الغادر من أيام البشير إلى كالح عهد البرهان , ورغم البمبان والقمع والإرهاب , أولادنا لسه بخير , وصورة الشاب الذي يقبع في مستشفى الخرطوم تهز كل ضمير حي , فتى من الثوار اسمه مهند صار هيكلا عظميا بعد تناوب الأدواء والمصائب على جسده النحيل, هو أحد مصابي الثورة , كان مثل رفاقه /ته يحلم ويتمنى , أصبح الآن لا يستطيع النطق بما يحلم به , أرجو أن تنقشع عن سموات بلادنا وإلى الأبد البندقية القاتلة للشباب والطموح , وتحيا البندقية الحارسة للإنسان والحدود . مع تمنياتنا لمهند وكل المصابين بشفاء عاجل يا رب . ويبقى الإنجاز القطري _رغم التحفظات _ ملهما بدرجة كبيرة على مستوى الإعداد والتنظيم والتحضيرات التي شملت كل البنية التحتية في بلد مساحته 41 ألف كلم وقاطنيه في حدود 3 ملايين فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى