أخبارأعمدة ومقالات

سعد الدين إبراهيم: عن عيون لا تخشى في الغرودة لومة لائم

د. عبد الله علي ابراهيم 

سعد الدين إبراهيم: عن عيون لا تخشى في الغرودة لومة لائم

د. عبد الله علي ابراهيم 

كنت خارجاً من البنك الفرنسي بشاعر القصر حين استوقفني سائق تاكسي كان ينتظر أمام البنك. وقال لي من غير سابق معرفة: والله يا عبد الله انتو الشيوعيين سمحتو السودان وحببتونا فيه”.

وكان الشعر هو الفرشة التي زينا بها عنان الوطن بألوان الطيف، بألوان قزح يسر الناظرين. كان عثمان خالد. كان شابو. كان صلاح حاج سعيد. وكان سعد الدين إبراهيم. رحمهم الله والحمد لله. وهذا كان النعي الذي كتبته في إثر رحيل نقاش وطني بار هو سعد الدين إبراهيم.

مضى إلى الرحاب العلية الشاعر الصحافي سعد الدين إبراهيم تقبله الله الذي وسعت رحمته كل شيء. ولم أجد في نعيه تلميحاً لهويته السياسية إلا ما جاء في كلمة لصديق صباه سعيد عبد الله سعيد شاهين. فسأل شاهين، مروراً، من أن يبدأ “مناحته”: أمن أيام الجبهة الديمقراطية أم من ماذا؟ واسترسل. وتوقفت عند نسبته سعد للجبهة الديمقراطية لأنني كلما التقيت الراحل تذاكرنا يوماً لنا في ضاحية الجيلي عام 1969 أو 1970. فقد انعقد فيها معسكر لطلاب الجبهة والشيوعيين بالثانويات بالضاحية ودَعُونا في تجمع أبادماك للكتاب والفنانين التقدميين لزيارتهم ومشاهدة بعض وجوه نشاطهم. وأذكر يوم اجتماعنا بالجيلي المحروسة كالأمس ولكن كل ذاكرة عن سعد، الصبي الجبهجي، أو ما جرى في ذلك اليوم انمحى من ذاكرتي جداً.

ما يُضيع حركة الشيوعيين ولمستهم الغراء الشاملة على الوطن أنهم لا يحسنون نعي من غادرهم إلى دار البقاء (ناهيك عن ترويعهم لأمثالي ممن خرجوا على حزبهم إلى رحاب أسطع بنزع الرتبة النضالية عنهم وتبخسيهم، الله لا أيدهم). متى قرأت نعي أفاضل الشيوعيين والتقدميين لا تجد فيه غير تعميم لحزن صالح لكل زمان ومكان. فهو مناضل أو هي مناضلة، عانت الأمرين وصابرت، ثم هتافات لا صدى لها تلعن سنسفيل النظام القائم: الله يجازيه الكان السبب. وبس.

فلا ذكر للخدمات الطليعية المخصوصة التي قدمها للوطن. وبعضهم من فتح جبهات عمل نادرة وقصية، ومنهم من كان زهرة حيه أو ناديه أو مجال عمله، شيّال تقيله فوق الدبر. ومتى تغاضينا عن هذه الوجوه الاستثنائية في سيرة المناضلين الراحلين أفقرنا تاريخ الحزب الملامس لسائر آفاق الحياة. وانتهينا بالنتيجة إلى تاريخ اقتصر على مركز الحزب ونزاعاته وعوض عبد الرازق قال وأحمد سليمان سوى وعبد الخالق نظراتو وجِزمو.

وغابت عن الشيوعيين وغيرهم أن الحزب الشيوعي في أيامه المعلومة لم يكن حزباً فحسب، بل كان حركة اجتماعية أيضاً استنفرت قوى وفئات وجماعات في طريق الحداثة الاجتماعية تقاصرت عنها قوى وأحزاب أخرى عن حملها.

ونبهتُ مرة إلى قولة حكيمة لمنصور خالد قال فيها إن تمثيل الحزب الشيوعي في حكومة ثورة أكتوبر 1964 لا خطر منه: صفوة تدردق على بعضها. ولكن التمثيل ذا الخطر في رأيه كان تمثيل العمال الذين عد نقاباتهم آية في الديمقراطية وممارستها (حوار مع الصفوة). ويرحل عنا كادر ذو سابقة من صنّاع هذه الديمقراطية القاعدية ونعيه باهت: ناضل وما ناضل بعمومية ماسخة. والطبقة العاملة هي عنوان كبير في اجتماعية الحزب كحركة قبل أن يكون حزباً. وقس حركة النساء على ذلك. ويرحل عنا رموز هذه الحركات تباعاً ممن اخترعوا حداثتنا وقل أن تركوا مذكرات عليها نقشهم. وكتب نعاتهم عنهم عبارات لا تغني شيئاً.

طافت بي هذه الخواطر وأنا أذكر لقاء الجيلي مع سعد الدين. ثم استعدت بعض قصائد أغانيه أؤانس بها نفسي وحشة فقده. فوقعت على أكثر قصائده ذيوعاً:

العزيزة الما بتسأل عن ظروفنا

الوحيدة الطال عشان جيتك وقوفنا

العزيزة الما بتسأل عن ظروفنا

الوحيدة الما بتحاول يوم تشوفنا

المواعيد لسة حزنانة بتنادي

والأماسي بتبكي في أسى ما اعتيادي

ما كنتي بهجتا براوئع قوس قزح

والله ما طلانا من بعدك فرح

سلميلنا على ضفايرك موجة موجة وكلميها

قولي ليها حرام تتوه فيها المواسم ونحنا بالجد نشتهيها

سلميلنا على عيونك يوم تسهي تغروديها

ويبقو تفاحتين خدودك بس خدودك وين شبيها

سلميلنا علي يدينك وشملة الريد أنسجيها

سلميلنا على خطاكي عزة العاملة ومشيها

والله أحضانك بلد يا حلوة ما تنسينا فيها

هذا هو جيل النساء الذي حررناه نحن الشيوعيين من “سباتة” عشرينات وثلاثينات الحقيبة: ضفائره موج يلصف في سماء الوطن. وخدوده تفاح. والعيون لا تخشى في الغرودة لومة لائم. ثم تغزلنا حتى في خطاه: سلميلنا على خطاكي عزة العاملة ومشيها. والله أكبر وعاش كفاح الطبقة العاملة!

ثم ها عادت النساء إلى الخدر قهراً. ولكن إلى حين. (وحان الحين)

يا لأيام الجيلي يا سعد الدين.

IbrahimA@missouri.edu

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى