أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

لا تبيعوا الثورة رخيصة يا شابات نظارات البجا وعمودياتها المستقلة وشبابها

عبد الله علي إبراهيم

شهدت أمس الناظر ترك بين قادة الجبهة الثورية في مجمع للحرية والتغيير، الكتلة الديمقراطية، التي جعلته نائباً لرئيسها. وبدا لي المشهد كطائف من مسرح العبث أو اللامعقول. فلا أدري بأي وجه سيناضل ترك لإلغاء مسار الشرق وقد صار زعيماً لجماعة فيها الجبهة الثورية التي خرج المسار من صفقتها (لا اتفاقها) مع المكون العسكري لمجلس السيادة. وقد كشف صديق تاور ، عضو مجلس السيادة السابق، الغطاء عن سياسات هذه الصفقة بما لا مزيد عليه. وسيجد القارئ الرابط لحديث تاور في آخر كلمتي.

وكنت كتبت رسالة إلى شباب البجا منذ عام (6 ديسمبر 2021) عن حراك رتبوا له للضغط على الحكومة لإلغاء مسار الشرق. وقلت لهم إنكم تنبحون الشجرة الخطأ، في قول الخواجات، فيما تعلق بالمسار حين تحملون وزره للحكومة الانتقالية. وكان تتريسكم السابق هو المسمار الأخير في نعشها.

وأعيد هنا نشر رسالتي في المعنى بعد أن حصحص الحق. فليس مسار الشرق صفقة بين الجبهة الثورية من أمثال مني مناوي وجبريل إبراهيم مع حميدتي لا تريد أن تتنازل عنه قيد أنملة فحسب، بل هو ما يتغاضى عنه الناظر ترك في يومنا غير عابئ ليصبح حليفاً لمن فرضوا على الشرق مساراً مكافأة جزافية لحلفائهم.

كلما أذكر لكم تنمر شابات النظارت وشبابها على الثورة والحكومة الانتقالية بقيادة الناظر ترك استعيد كلمة لعثمان دقنة حين كشف أحدهم مخبئه للإنجليز: ما تكون بعتني رخيص. وبدا لي أن الناظر ترك قد باع ثورة السودان رخيصة في تشرده السياسي منذ قاد ثورتكم ضد الحكومة الانتقالية، إلى تعاقده مع حميدتي وتصريحه أنه لا تتريس بعد اليوم، إلى يوم تزعمه أمس الجبهة الثورية والأرادلة الأولي.

إلى شابات نظارات البجا والعموديات المستقلة وشبابها

سلاماً وتقديري

أكتب اليكم هذه الرسالة وأنتم بصدد تصعيد حملتكم لإلغاء مسار الشرق للمرة الثانية لأقول لكم صعدوا بالله دون إغلاق الميناء كمرتكم السابقة. ورغبت لو تستغربوا مني طلبي هذا. فلم أؤيد وقفتكم السابقة لأنها عزمت على اسقاط حكومة استحقت البقاء عندي حتى ينصلح الحال. ومتوقع من مثلي في هذه الحالة أن يطرب لتصعيدكم الأمر بوجه حكومة مفترية اغتصبت الحكم فينا في اعتقادي. ولكنه تصعيد لا أنشرح له.

وددت تجديد الحديث معكم طالما كانت مسألتكم هي مسار الشرق ما تزال. فقد أخذت عليكم مراراً أنكم لم تحسنوا تشخيص سياسات هذا المسار مما انتهى بكم إلى اصطفاف سياسي مع قوى النادي السياسي القديم الذي لم يأرق يوماً لحسسكم. وعودتكم للتصعيد مرة ثانية شاهد آخر على أن وعود هذا النادي ضلالات. لقد هززتم له شجرة الحرية والتغيير هزاً لا يحسنه كما رأينا من هزال منصة القصر. ووقعت الثمار في عبه. وماطل في دفع استحقاقكم.

دارات أحاديثي عن مسار الشرق حول تبرئة حكومة الحرية والتغيير إجرائياً، لا سياسياً، من التشريع له. وارتكزت في حجتي هذه على أمرين. أولهما أن التعاقد على السلام مع الحركات المسلحة، مثل الذي تم في جوبا في أغسطس ٢٠٢٠، شأن اختص به مجلس السيادة، الذي غلب عليه العسكريون، لا مجلس الوزراء.

فجاء ذكر اختصاص السلام في موضعين مربكين في الوثيقة الدستورية. جاء التكليف ضمن اختصاصات مجلس الوزراء وسلطاته (١٦-٢) بقول الوثيقة إن من تبعات المجلس “العمل على إيقاف الحروب والنزاعات وبناء السلام” في حين كلفت الوثيقة مجلس السيادة ب”رعاية عملية السلام مع الحركات المسلحة” (١٢-س) علاوة على تعيين رئيس وأعضاء مفوضية السلام “بالتشاور مع مجلس الوزراء” (١٢-٣). وقام المجلس كما رأيتم برعاية عملية السلام مع المسلحين كما بدا له، وعين مفاوضي جوبا وعلى رأسهم حميدتي. ولا أعرف إن كان سماهم مفوضية السلام أم لا، أو إن كان شاور مجلس الوزراء. ومهما كان من ارتباك الوثيقة الدستورية فالمشاهد أن اتفاق جوبا الذي حوى شرور مسار الشرق كان عملاً خالصاً للشق العسكري من مجلس السيادة.

أما الأمر الثاني في تكييف حجتي فتعلق بمقاصد العسكريين من احتكار تعاقد السلام مع الحركات المسلحة. ومع ضعف الحكومة السياسي في التربص بمفاوضات جوبا وحصائلها إلا أن احتكار العسكريين بالسلام دون مجلس الوزراء كان فصلاً في معركة كسر العظام بين المدنية والعسكرية. فكان العسكريون، في بحثهم عن قاعدة سياسية يقوون بها مركزهم حيال الحرية والتغيير، قد تعاقدوا مع الجبهة الثورية على صفقة للسلام لن تكون إلا إذا جعلوا اختصاص السلام ملكاً حراً لهم لا شريك لهم فيه.

ووقع ذلك التعاقد في تشاد في لقاء بين قادة الجبهة وحميدتي. وغطغطوا ذلك اللقاء بقول مني مناوي وقتها إنه صدف أن كان في تشاد مع أحد قادة العدل والمساواة حين زارها حميدتي. وطلبت منهما تشاد لقاءه. وكشف مناوي عن “ما تحت طربيزة” ذلك اللقاء منذ أيام. فقال إنهم تعاقدوا مع حميدتي أن لهم طيبات السلام جميعاً على ألا يلحوا على التحقيق في مذبحة فض الاعتصام ولا تسليم مطلوبي المحكمة الجنائية لها. وكانت الجبهة الثورية قد عادت يائسة من الاتفاق الذي تريده من “مارثون” مفاوضاتها مع الحرية والتغيير في أديس أبابا والقاهرة وما بينهما أول قيام مجلس الوزراء. ووقع لها اتفاق العسكر على جرح.

أردت مراراً لفت نظركم إلى أن غضبتكم المشروعة هي نباح على الشجرة الخطأ في قول الخواجات. فالأحرى بها هم العسكريون والجبهة الثورية. وكنت التمست أول قدوم وفد مقدمة الجبهة الثورية للترويج لاتفاقية جوبا بعد التوقيع عليها أن تبدأ رحلتهم بسنكات لتبرير تطفلهم على مسألة إقليم بأسره، وارتجال الحلول لمسألته بمن تصادف من حلفاء لها من الإقليم أعضاء بها. ورغبت أن تستغربوا مثلي من أين للجبهة الثورية امتياز التغافل فتظن أن اتفاقها المعلول سيحظى بقبول كيانات تاريخية في الشرق لم تكترث هي لحضورهم. ولم أسمع منكم نأمة واحدة تستنكرون على الجبهة الثورية هذا العبط الثوري.

كتبت مراراً عشماً فيكم أن تحسنوا تشخيص سياسات مسار الشرق. فلو فعلتم لكنتم تبينتم أن من مشى في الشرق بالمسار الفتنة هم عسكريو مجلس السيادة وبطانتهم في منصة القصر. وهم النادي السياسي الذي بذلتم لهم خدمة استثنائية لينقض على الثورة ويجعل “أحلامنا سبايا”.

أعرف أن كثيرين منك سيعيبون عليّ “تطفلي” على قضايا الشرق بلا دعوة ولا علم. وأخطأوا. فلست عائزاً دعوة للحديث عن وطني أيان كانت جراحه. أما علمي عن الشرق فعائد إلى الخمسينات و”كفاح البجة” (1953) لمحمد دين البجاوي الذي عزا الحرمان الذي يعيشه البجا إلى افتقارهم للمدخل إلى الفرص السياسية على المستوى القومي إلى يومنا هذا. أما عن شغلنا الشيوعي التقي بينكم في الخمسينات بقيادة الجزولي سعيد فقصة أخرى لأنس قادم.

ومهما يكن فآخر قولي إن تناووا بأنفسكم من اعتصام آخر فادح بالوطن بينما حلحلة مسار الشرق، متى أحسنا التشخيص وميزنا الضرب، أدنى مما أنتم مقدمون عليه.

ولكم مودتي وتقديري

عبدالله علي إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى