أخبارأعمدة ومقالات

اتفاق جوبا: بادرت الحركات المسلحة بعداء قوى الثورة (6 – 8)

د. صديق الزيلعي

 

اتفاق جوبا: بادرت الحركات المسلحة بعداء قوى الثورة (6 – 8)

د. صديق الزيلعي

* عرضنا في المقالات السابقة الخلفية التاريخية لقضية التهميش، وأنها ليست مسألة جغرافية بحتة، بل هي إحدى نواتج الاقتصاد السياسي لبلادنا، منذ الدولة الاستعمارية وحتى اليوم. ثم شرحنا دور مختلف الحكومات في ملف التهميش، على نطاق الوطن، وفي دارفور. ووصفنا الواقع المرير، عبر التاريخ، للمنتج الصغير في دارفور، وحددناه كـ (بوصلة) لقياس أي اتفاق، ومدى استجابته لاحتياجات ذلك المنتج الصغير. هذا المقال سيناقش مواقف الحركات المسلحة منذ انتصار الثورة في إزاحة البشير، وكيف أداروا عملية التفاوض المتطاولة في جوبا.
كانت الحركات تفاوض نظام البشير قبل اندلاع الثورة، وهذا حقها، ولا اعتراض عليه. المهم، خلال تفاوضها لم تتعرض للقضايا القومية كالحريات والديموقراطية، بل كانت مستعدة للقبول بالقليل. وتجارب المفاوضات في: إنجمينا، وأبوجا، والدوحة، وغيرها تؤكد ذلك. الأمر المثير للدهشة حقاً، أنها ورغم عضويتها في نداء السودان، لم تبادر بالحضور إلى الخرطوم للمشاركة في عملية التفاوض وانتقال السلطة. والغريب أن هناك حجة تتردد بأن الحركات لم تتم دعوتها، رغم معرفتنا وتقديرنا أنها كانت طرفاً أصيلاً في المعارضة، وصاحب الحق لا يحتاج لدعوة.
النقطة الأساسية التي نرى ضرورة التركيز عليها، لأنها محورية، وتساعدنا منذ البداية على استيعاب ما حدث لاحقاً، هي كالآتي:
سلطة انتقالية تبحث بشدة عن إنجاز لتقديمه للمجتمع الدولي، باعتبارها حققت السلام، من جانب. ومن الجانب الآخر، لجنة البشير الأمنية، وبمعونة جيش من الخبراء من النظام البائد، تعمل وتخطط للانفراد بالسلطة، ومستعدة لتقديم الجزرة للحركات (شيك على بياض)، لعقد تحالف مصلحي معها. أما الحركات بخبرتها الطويلة في مفاوضة نظام الإسلامويين، والتدريب المكثف الذي تلقته في أوروبا، قررت أن تستفيد من ذلك الوضع بصورة كاملة وتنال كل ما تريد، بل أكثر مما كانت تحلم به.
كانت النصوص المتعلقة بقضية السلام في الوثيقة الدستورية واضحة حول الدور المحوري للسلطة التنفيذية في إدارة ملف السلام، وتحديدها فترة ستة أشهر لإنجاز الاتفاق. ولكن إصرار الحركات، خلال ورشة عُقدت في أديس أبابا، وتأكيدهم القاطع على أنهم لا يثقون في الحرية والتغيير، لذلك يجب أن يستلم الطرف العسكري ملف التفاوض. رغم أن ذلك تم من خلف ظهر الحكومة والحرية والتغيير التي لم تتخذ موقفاً جاداً، إلا أن الحركات والمكون العسكري نفذا ما يريدان. ومن غرائب الزمان أن حجة الحركات للتمسك بأن يدير المكون العسكري الملف باعتبارهما حاربا بعضهما، ويعرفان بعضهما، هذا هو مصدر ثقتهم في المكون العسكري. وهكذا، ضحوا بدماء الشهداء، وضحايا الإبادة الجماعية، ومصير المفقودين، مقابل مكاسب آنية. هذا الموقف المريب أعطى حميدتي سلطة الرعاية والإشراف على المفاوضات، والكباشي كبير مفاوضين. وغدت المفاوضات، منذ تلك اللحظة مساومة بين الطرفين: الحركات، والعسكر، لتحقيق أكبر مكاسب لكل طرف منهما. علينا الانتباه لذلك الموقف عند تحليلنا لكل المواقف اللاحقة منذ تلك اللحظة انتهاء بانقلاب 25 أكتوبر 2022.
اتفاق سلام جوبا يتكون من (266) صفحة، مقسمة على عشرة أبواب، هي كالآتي:
الديباجة
الباب الأول: اتفاق القضايا القومية
الباب الثاني: اتفاق سلام مسار دارفور
الباب الثالث: اتفاق مسار المنطقتين
الباب الرابع: اتفاق مسار الشرق
الباب الخامس: اتفاق مسار الشمال
الباب السادس: اتفاق مسار الوسط
الباب السابع: اتفاق الترتيبات الأمنية بين حكومة السودان والجبهة الثالثة (تمازج)
الباب الثامن: الأحكام الختامية
الباب التاسع: مصفوفات التنفيذ
الباب العاشر: الملاحق
هذه المقالات، كما كررت، هي مقالات عن الجزء الذي يتعلق بدارفور في اتفاق السلام الذي وقع في جوبا، ويناقش النصوص المتعلقة بدارفور، وموقف الحركات المسلحة من قضية الانتقال الديموقراطي في بلادنا.
حوت ديباجة اتفاق جوبا إشادة بكفاح الحركات المسلحة، ودور الشباب والنساء في النضال ضد نظام الحكم البائد، كما وردت إشادة مخصصة لانحياز المؤسسة العسكرية لثورة ديسمبر. نلاحظ أنه لم تتم أي إشادة بدور الأحزاب السياسية التي قاومت وقدمت تضحيات طوال ثلاثة عقود من الزمن، ولا بدور تجمع المهنيين الذي كان القائد الحقيقي للحراك الثوري. و”الجواب -كما يقال في الأمثال الشعبية- بتقري من عنوانه”.
الباب الثاني الخاص بالقضايا القومية، وهي بنود عامة متفق عليها، تتحدث عن الانتقال السلمي للسلطة وحقوق الإنسان ورفض العنصرية والمساواة التامة بين كافة المجموعات الإثنية والاجتماعية. المحك في تلك النصوص وغيرها هو مدى الجدية في تنفيذها، وما نلاحظه أنه بعد عامين لم ينفذ أي منها. ولم تهتم الحركات عندما شاركت في الحكومة الانتقالية الثانية بتنفيذها، أو المطالبة بتنفيذها، وقام الانقلاب العسكري بنسف كل تلك القضايا والحقوق القومية المضمنة في الاتفاق. كانت حجة الحركات أنها مستمرة في السلطة لمتابعة تنفيذ اتفاق جوبا، بل كانوا يهددون بأن اتفاق جوبا خط أحمر، ويجب عدم المساس به. لم نسمع من الحركات، بعد مرور عام كامل على الانقلاب العسكري، أي مطالبة، ولو خجولة، بتنفيذ تلك البنود الموجودة في اتفاق جوبا. بل هناك معلومات تؤكد معرفة بعض قادة الحركات بالانقلاب، ومشاركة قواتهم في قمع المتظاهرين. ورغم أنهم يقولون إن استمرارهم الهدف منه تنفيذ الاتفاقية، والتي لم تنفذ منها إلا المناصب الوزارية والسلطات المطلقة لوزراء الحركات في تعيين الأهل والمقربين في مناصب قيادية في وزاراتهم (وزير المالية مثالاً).
وهذه بعض الملاحظات:
• لم تُكوَّن أي من المفوضيات المنصوص عليها.
• المادة 1.16 تقول: “الإصلاح القانوني، وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية، وضمان استقلال القضاء، وسيادة حكم القانون، مهام واجبة التنفيذ”. نلاحظ أن الكلام معمم ومجرد، ولا توجد أي إشارة لما حدث للمنظومة العدلية، وكيفية إصلاحها.
• المادة 1.30 تنص على: “اتفق الطرفان على إصلاح وتطوير القطاع الأمني والعسكري على المستوى القومي”. هذه المادة توضح موقف الحركات من أخطر جوانب بقاء النظام المباد، وسيطرته على المؤسسة العسكرية. ولا توجد إشارة لقيام جيش بعقيدة قومية، كما لم يحدد من يقوم بالإصلاح، فقادة الجيش يصرون أنها مهمتهم لوحدهم، ولا يحق لأي مدني الاقتراب منها. وها هم، بعد الانقلاب، يجلسون ويتحالفون مع قيادة الجيش التي انقلبت على الثورة، ولم نسمع بعد مرور عامين عن أي جهد لإصلاح المنظومة العسكرية والأمنية.
• المادة 1.31 تقول: “لا يسري العفو العام على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية”. كما كررنا، لم يحدث شيء، وتم إهمال الملف، ولم نسمع عن المطالبة بتسليم البشير أو محاكمته في محكمة هجين.
• المادة 2.1 تقول: “تكون الفترة الانتقالية 39 شهراً ابتداء من يوم التوقيع على الاتفاق”. وهذا يؤكد أنهم يقومون بتفصيل أي شيء على مقاسهم وحدهم.
• المادة 3.1 تقول: “اتفق الطرفان على استثناء ممثلي الحركات في مجلس السيادة والوزراء من نص المادة 20 من الوثيقة الدستورية للمشاركة في الانتخابات القادمة”. وهنا نلاحظ أن قادة الحركات لا يفكرون إلا في أنفسهم، ليكونوا وزراء في الوقت الحاضر، ويترشحوا في الانتخابات، رغم منع بقية الوزراء من غير الحركات. وهذا يذكرنا برفضهم دعوة د. حمدوك لتقديم ممثلين للحركات من الكوادر المؤهلة غير القادة السياسيين لتكوين حكومة كفاءات، والرفض القوي لذلك الرأي. وهنا نشير إلى أحد أسباب الانقسامات الأميبية وسط الحركات، وهو ببساطة الطمع في السلطة على حساب أهلهم.
• المادة 10.2 تدعو لإنشاء نظام الحكم الإقليمي خلال مدة لا تتجاوز الشهرين من التوقيع. بينما تقول المادة 10.3: “أن ينعقد مؤتمر نظام الحكم خلال مدة لا تتجاوز الستة أشهر”. نلاحظ أن ما اتفقوا عليه يُنفذ بلا نقاش، بينما مؤتمر نظام الحكم الذي يستوجب مشاركة واسعة ومناقشة كل قضايا الحكم، يتم انعقاده بعد تنفيذ ما يريدون.
• كل مواد القضايا القومية، في اتفاق سلام جوبا، لم تتعرض للأزمة الاقتصادية ومعاش الناس، وقضايا الديون، والفساد المالي، وإصلاح القطاع المصرفي. مما يشير إلى أنها قضايا ليست مهمة بالنسبة لهم، حتى يتم تضمينها في اتفاق يتكون من (266) صفحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى