أخبارتقارير وتحقيقات

«الاتفاق الإطاري».. مخاوف بشأن الضمانات والتطبيق

الاتفاق الإطاري الذي جرى توقيعه بين المكون العسكري الانقلابي وقوى مدنية سودانية مؤخراً، مواجه بكثير من الأسئلة والمنعطفات، بعد تجربة الوثيقة الدستورية 2019م وانقلاب 25 اكتوبر 2021م، أسئلة تبدو الإجابة عليها عسيرة وإن بدا البعض متفائلاً!!

التغيير- الخرطوم: علاء الدين موسى

وقعت أحزاب سياسية وقوى مدنية في السودان الاثنين الماضي «5 ديسمبر»، اتفاقاً إطارياً يمهد لاستعادة التحول المدني الديمقراطي، ويعمل على إنهاء عهدة انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021م.

عقب التوقيع خرجت  لجان المقاومة التي تقود الشارع وترفع اللاءات الثلاث «لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية»، في تظاهرات رافضة للاتفاق بالخرطوم ومدن أخرى، فيما تباينت ردود فعل مكونات الساحة السودانية بين مؤيد متفائل ورافض مطلقاً استناداً على التجارب السابقة، دون أن تكون هناك إجابة قاطعة بشأن الضمانات وإمكانية التطبيق العملية، وما إذا كان الاتفاق قادراً على استعادة مسار التحول الديمقراطي؟!.

من هم الموقعون؟

لم يكن تحالف الحرية والتغيير- المجلس المركزي هو الطرف الوحيد الموقع على الاتفاق مع العسكر، حيث وقعت قوى أخرى أبرزها المؤتمر الشعبي الفصيل الثاني من الحركة الإسلامية السودانية، والحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بقيادة الحسن الميرغني نجل زعيم طائفة الختمية، والذي دعا إلى توسيع الاتفاق لمشاركة مجموعة كبيرة والأحزاب السياسية، بجانب جماعة أنصار السنة المحمدية التي رفضت التوقيع لأنه لم يتم إدراج الملاحظات التي قدمتها في الاتفاق.

وهذه القوى الثلاثة لم تكن طرفاً في تحالف الحرية والتغيير قبل الإطاحة بنظام عمر البشير في 2019م، كما وصل عدد  الموقعين «52» حزباً ومجموعة، بجانب المكون العسكري الممثل في الجيش والأجهزة النظامية الأخرى.

كما وقعت على الاتفاق حركات مسلحة موقعة على اتفاق سلام جوبا أبرزها الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار، وحركة تحرير السودان المجلس الانتقالي بقيادة الهادي إدريس، وتجمع قوى التحرير بقيادة الطاهر حجر وهو فصيل يضم ثلاث حركات بإقليم دارفور.

بنود الاتفاق

تضمن الاتفاق الإطاري عدة نقاط لكسر الجمود السياسي أبرزها وقف التدهور الاقتصادي وفق منهج تنموي شامل يراعي الفقراء والمهمشين، كما تضمن إطلاق عملية شاملة لصياغة الدستور بإشراف مفوضية لصياغته، وتعيين الحكومات الإقليمية بالتشاور مع القوى الموقعة على الإعلان السياسي.

ونص الاتفاق على أن الفترة الانتقالية ستكون «24» شهراً تبدأ من تاريخ تعيين رئيس الوزراء الذي بدوره يعيين المفوضيات المستقلة.

ونص على ضرورة أن تقر المؤسسة العسكرية بالحكم المدني في حين يكون رأس الدولة المدني هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وحظر الاتفاق وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار القانون والدولة.

وشدّد على احترام إرادة الشعب السوداني في حكومة مدنية، ما يعني أن مهمة الشرطة المدنية ستكون إنفاذ القانون وحماية المدنيين.

ومنع الاتفاق قوات الشرطة من ممارسة أي أعمال تجارية، فيما لن يكون لجهاز المخابرات أي سلطات للاحتجاز والاعتقال ويتبع لرئيس الوزراء مباشرة.

كما اشتمل على تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ووضع الإصلاح الأمني والعسكري على سلم الأولويات.

بين الترحيب والرفض

وفيما وجد الاتفاق ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، سارعت قوى سودانية إلى إعلان رفضها للاتفاق، وفي مقدمتها حركات مسلحة واحزاب كانت شريكة في انقلاب 25 اكتوبر مثل حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم الذي قال  إن الاتفاق لن يحقق استقراراً  للفترة الانتقالية ولن يفضي إلى انتخابات، واعتبر أن الرهان على الحرية والتغيير لتحقيق التحول الديمقراطي رهان خاسر.

فيما وصف رئيس حركة تحرير السودان مني اركو مناوي الاتفاق بـ”الاقصائي”، مرجحاً أن يقود إلى انفصال جديد، كما حدث عقب نقض اتفاق أديس أبابا.

وأعلن الحزب الجمهوري بقيادة حيدر الصافي رفضهم لتوقيع الاتفاق، وأوضح أن موقفهم يعود إلى إقصاء الحرية والتغيير لكل القوى السياسية والمدنية، وتغييب لجان المقاومة والشعب السوداني عن تفاصيل الاتفاق الذي وصفه بـ”المعيب”.

وأيضاً من الجماعات الرافضة للاتفاق، تحالف التغيير الجذري الذي يقوده الحزب الشيوعي، وتجمع  المهنيين السودانيين، وبعض تنسيقيات لجان المقاومة.

وانضم حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل)- أحد المكونات الرئيسية لقوى الحرية والتغيير، إلى قائمة الرافضين للاتفاق.

مكاسب للانقلابيين

وقال الناطق باسم حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) عادل خلف الله، إن الاتفاق الإطاري يعد من مكاسب الطرف الانقلابي باعتبار أن قائد الانقلاب نجح في تطبيع علاقته مع واحد من مكونات الحراك السلمي في السودان، وقرب المسافة بينه وبينهم، وفي نفس الوقت دفع بالحرية والتغيير إلى توتير علاقتها وفقدان الثقة ببعض الأوساط لاسيما لجان المقاومة.

وقال لـ«التغيير»، إن الاتفاق يعمل على إشراك قوى النظام المُباد وفي مقدمتها المؤتمر الوطني الذي يغير جلده مثل الثعبان للاستمرار في الحياة، وقدرته في الظهور بمسميات أخرى وهذا ما يحدث الآن.

وأشار إلى أن إشراك قوى الحرية والتغيير لهذه الأحزاب والجماعات يساعد في تشكيل حكومة لمصلحة الفساد.

الشأن الوطني

فيما نفى القيادي بالحرية والتغيير، رئيس حزب الأمة القومي اللواء فضل الله برمة ناصر، أن تكون أحزاب المؤمر الشعبي جزء من تكوين الحكومة القادمة.

وقال لـ«التغيير» إن هذه الأحزاب سيكون دورها المشاركة في الشأن الوطني وليس في إدارة المرحلة الانتقالية كما يروج البعض لذلك.

وأضاف: «الموقعون معهم كانوا جزء من نظام البشير وكانوا معه حتى لحظة السقوط، لكنهم مؤمنون بأهداف الثورة، لذلك اتفقنا على أن مشاركتهم في قضايا الوطن، في الدستور والتحضير للانتخابات».

وتابع: «ولكن ليس لهم دور في إدارة المرحلة الانتقالية، لأن الثورة قامت على هؤلاء وتم إسقاطهم لتأتي قوى أخرى لإدارة شؤون البلاد».

إلا ان الاتفاق الإطاري نص على أن القوى الموقعة على الإعلان السياسي(ومن ضمنها المؤتمر الشعبي والاتحادي الأصل وانصار السنة) ستشارك في اختيار أعضاء المجلس التشريعي، وستتم مشاورتها في اختيار الطاقم الوزاري وحكام الولايات أو الأقاليم، فيما ترك لقوى الثورة الموقعة على الإعلان السياسي(القوى التي لم تكن مشاركة لنظام البشير حتى لحظة سقوطه) مهمة اختيار رئيس الوزراء ورأس الدولة.

على الورق

وتخوف الناطق باسم البعث، من عدم توفر ضمانات لهذا الاتفاق، وأكد أن الوثيقة الدستورية التي تم توقيعها بين الحرية والتغيير والمكون العسكري الانقلابي في 2019م كانت بضمانة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والبلدان الإقليمية والدولية ورغم ذلك انقلب البرهان عليها لأنها ضمانات على الورق فقط.

وطالب خلف الله بضرورة حظر إقحام القوات المسلحة والعاملين بها في السياسة حتى لا تكون قوى تهدِّد الانتقال الديمقراطي وتحقيق الاستقرار وضمان التحول السلمي للسلطة.

ضمانات كافية

لكن الخبير الاستراتيجي بمركز الدراسات الدولية اللواء أمين إسماعيل المجذوب، رأى أن الضمانات التي تمّت بواسطة الآلية الرباعية والثلاثية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة كافية لرعاية هذا الاتفاق.

وقال لـ«التغيير»، إن الضمان الوطني أيضاً مهم باعتبار أن القادة هم وطنيون، لديهم أحساس بالأزمة، «الاعتذار الذي جاء في التوقيع يؤكد على ذلك».

ولفت إلى أن المرحلة القادمة سيتم فيها تحديد زمن معين لمعالجة القضايا الأربع العالقة، بعد تسمية رئيس الوزراء.

وأوضح أن القوى التي ترفض هذا الاتفاق وتشكِّك في نوايا المدنيين والعسكريين تضع المتفقين في اختبار المصداقية.

وتابع: «الآن الأمل على التطبيق العملي باعتباره المحك ليبرهن مدى جدية الأطراف في تنفيذ ما تم التوافق عليه».

التأكيد العملي

بدوره، ذهب الصحفي والمحلل السياسي الجميل الفاضل، إلى عدم وجود ضمانات مطلقة في السياسة، ولا بوليصة تأمين يمكن تقديمها للشارع حتى يثق تماماً أن هنالك كوابح يمكن أن تمنع جنرالات الجيش من تكرار 25 أكتوبر، لكن التأكيد العملي من خلال جدية المؤسسة العسكرية في الالتزام بهذه التعهدات.

وقال الفاضل: «لابد من ترجمة هذه النصوص إلى واقع عملي وبما يعزِّز الثقة بأن هذه التجربة تختلف عن التجربة السابقة، وأن تتفادى كافة القوى السياسية وبخاصة قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي إخفاقات التجربة السابقة وسمة التفريط الأساسية التي صاحبت تجربتها، خاصةً وأن الوثيقة الدستورية في العام 2019م كانت أقل سقفاً مما تضمّنته الآن وثيقة الاتفاق الإطاري».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى