أخبارأعمدة ومقالاتدراسات

«التغيير» تنشر نص خطاب «فولكر بيرتس» أمام مجلس الأمن حول الوضع في السودان

نص خطاب «فولكر بيرتس» أمام مجلس الأمن أمس الخميس، حول الوضع في السودان.

شكراً سيدتي الرئيسة، أعضاء مجلس الأمن،

إسمحوا لي أن أشكركم على إتاحة الفرصة لي للتحدث إليكم اليوم. لعلّكم تذكرون أنني قلت لكم في المرة الأخيرة عندما قدّمت إحاطة إلى هذا المجلس إنّه قد يكون لدينا بعض الأخبار السارة عندما أعود في ديسمبر.

على مدى أكثر من عام، شهد السودان شحاً في الأخبار الإيجابية. منذ الاستيلاء العسكري في 25 أكتوبر 2021، وجدت البلاد نفسها في خضمّ أزمة متعددة الأبعاد – سياسية واقتصادية وأمنية. ولكنّ ديناميات الأسبوعين الماضيين تبعث الأمل في أنّ السودان قد يجد مخرجاً من الأزمة ويشرع في مرحلة انتقالية جديدة أكثر استدامة.

إسمحوا لي أن أشرح هذه الديناميات.

يوم الاثنين الماضي، 5 ديسمبر، وقّعت القيادة العسكرية ومجموعة واسعة من الأطراف المدنية على الاتفاق السياسي الإطاري. من المفترض أن يمهّد ذلك الطريق، بعد جولة أخرى من المحادثات حول الجوهر، للتوصل إلى اتفاق سياسي نهائي وتشكيل حكومة مدنية جديدة تقود البلاد نحو الانتعاش وإجراء انتخابات ديمقراطية – وهذا على مدى مرحلة انتقالية تمتدّ لفترة سنتين.

دعوني أشيد بجهود جميع الأطراف السودانيين. لقد قطع أصحاب المصلحة العسكريون والمدنيون شوطاً طويلاً؛ منذ الانقلاب قبل عام وإعلان العسكريين في يوليو الماضي الانسحاب من السياسة وحتّى هذه التطورات الأخيرة.

في 24 أكتوبر، تلقت الآلية الثلاثية، أي الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد) ويونيتامس، وثيقة من القيادة العسكرية تتضمن تعليقاتهم وتعديلاتهم على مسودة الوثيقة الدستورية التي تمّ إعدادها في وقت سابق برعاية اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين. ومثّل ذلك إنجازاً أولاً مهماً. في الوقت نفسه، شكّل الموقعون المدنيون على المسودة تحالفاً للانخراط بشكل جماعي في المحادثات مع العسكريين وبعدئذٍ اتّفق هذا التحالف والعسكريين على عملية سياسية من مرحلتين للعودة إلى المرحلة الانتقالية بقيادة مدنية.

وقد انتهت المرحلة الأولى بتوقيع الاتفاق السياسي الإطاري. والمرحلة الثانية على وشك أن تبدأ. إنّ أحداث اليومين الماضيين هي في الواقع وراء عدم تواجدي اليوم في نيويورك ومخاطبتي لكم من الخرطوم. والمشجّع أنّ أصحاب المصلحة المدنيين والعسكريين أصبحوا أكثر شفافية بشأن التفاهمات الأولية وكثّفوا جهودهم للتواصل مع الجهات الفاعلة الأخرى والجمهور. سيؤدي الاتفاق السياسي النهائي، بمجرد التوصل إليه، إلى حكومة مدنية لا بدّ من أنّها ستكون في وضع أفضل لمعالجة الوضع الأمني والإنساني والاقتصادي، وستمهّد الطريق نحو بناء دولة ديمقراطية قائمة على حقوق الإنسان وسيادة القانون والمساواة بين الجنسين وتوفّر مستقبلاً لشبّان وشابات السودان. كما سيسمح الاتفاق باستئناف محادثات السلام مع الحركات التي لم تصنع السلام مع الحكومة بعد وباستعادة الدعم الدولي الواسع النطاق للسودان.

مع اقتراب نهاية هذا العام، إنّ الفرصة سانحة للتفكير في تحديات الأشهر الثلاثة عشر الماضية. لقد وضع الانقلاب والمأزق السياسي اللاحق البلاد في حالة من عدم اليقين وانعدام الأمن. تصاعدت التوترات وتحوّلت إلى أعمال عنف في المناطق التي شهدت هدوءاً في السابق. منذ بداية هذا العام، وردت أنباء عن مقتل أكثر من 900 شخص وإصابة عدد أكبر في إطار نزاع عنيف. وفي الأشهر الماضية، وقعت اشتباكات كبيرة في النيل الأزرق وغرب كردفان ووسط دارفور. يُظهر تجدّد أعمال العنف على نطاق واسع الهشاشة المتزايدة على مستوى الدولة، والتي تفاقمت جرّاء استمرار الفراغ في الحكم. تفتقر السلطات المحلية بكلّ بساطة إلى القدرة والموارد اللازمة لحماية المدنيين، في حين أن الأسباب الجذرية والمظالم الأساسية لم تتمّ معالجتها بعد.

منذ إحاطتي الأخيرة أمام هذا المجلس بشأن النيل الأزرق في أكتوبر، تمّ فرض حالة الطوارئ في تلك المنطقة. في حين أنّ مستويات العنف قد هدأت، فإنّ الوضع هناك لا يزال غير مستقر. كما اندلعت أعمال عنف بين المجتمعات المحليّة في محلية لقاوة بغرب كردفان في منتصف أكتوبر، ما أسفر عن مقتل 19 شخصاً على الأقل ونزوح 65 ألف شخص. وفي وسط دارفور شهد الشهران الماضيان معارك عنيفة بين جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد النور وقوات الدعم السريع. ووقعت أحدث حلقة من أعمال العنف في جبل مرة في نوفمبر وأسفرت عن مقتل 13 مدنياً ونزوح 5 آلاف و600 شخص. أكّد لي قائد جيش تحرير السودان عبد الواحد النور خلال زيارتي الأخيرة إلى جوبا أنه “لن يهاجم ولن يصعّد”. دعوني أحث جميع الأطراف على الالتزام على الأقل بهذا المبدأ.

في جميع أنحاء السودان، نزح أكثر من 260 ألف شخص بسبب النزاع منذ بداية العام. هذه كوارث من صنع الإنسان، من صنع البشر، وغالباً ما تسببها الخلافات حول الوصول إلى الموارد، وتتفاقم على ما يبدو بسبب التلاعب السياسي في حالات ليست بقليلة. هذا كلّه يؤدي إلى تضاعف الكوارث الطبيعية وتزايد الاحتياجات الإنسانية.

بحسب تقديرات الشركاء في المجال الإنساني، قرابة 15.8 مليون شخص – أي ثلث السكان – سيحتاجون إلى المساعدة الإنسانية في العام 2023. وهذه زيادة قدرها 1.5 مليون مقارنة بالعام 2022، وهي الأكبر منذ عقد. هذا السنة، في العام 2022، تجاوز عدد المتضررين من الفيضانات عددهم في العام الماضي وبلغ 349 ألف شخص في جميع أنحاء البلاد. ويستمرّ التضخم المرتفع في تقليص قدرة الأسر الشرائيّة، حيث لا يستطيع الناس تلبية احتياجاتهم الأساسية. في حين تمكنت الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة من الوصول إلى 9.1 مليون شخص محتاج في الفترة من يناير إلى سبتمبر، فإنّ خطة الاستجابة الإنسانية للعام 2022 تموّل بنسبة 41.3 في المئة فقط.

لا تزال حالة حقوق الإنسان مثيرة للقلق. إستمرت الاحتجاجات ضد الحكم العسكري وبقيت سلمية إلى حد كبير. وفي أغلب الأحيان، تصرّفت قوات الأمن أو ردّت بالاستخدام المفرط للقوة. في الحادث الأخير، في 24 نوفمبر، قُتل اثنان من المتظاهرين في أم درمان. وبذلك يرتفع إجمالي عدد القتلى بين المحتجّين، ولا سيّما في العاصمة، إلى 121 منذ الانقلاب. كما تعرّض أكثر من 8 آلاف شخص للإصابة. وكما ذكرت مراراً وتكراراً أمام هذا المجلس، يتعيّن على السلطات احترام الحق في التجمع السلمي والامتناع عن الاستخدام المفرط للقوة حتى عند الاستفزاز. وما لا يقلّ أهميّة هو ضمان مراعاة الأصول القانونية الواجبة للمدعى عليهم المحالين للمحاكمة.

في هذا السياق، تأتي زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة الجديد لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى السودان الشهر الماضي – وهي أول زيارة ميدانية له منذ توليه مهامه – كشهادة على التزام الأمم المتحدة الثابت بدعم حقوق الإنسان في السودان. أشكر السلطات السودانية على تسهيل زيارة السيد تورك.

إنّ المشاركة الهادفة للمرأة والشباب عامل حاسم في نجاح العملية السياسية والانتقال. تواصِل مجموعة حقوق المرأة – وهي مجموعة متنوعة من النساء غير المنتميات حزبياً من المناطق – الانخراط مع جميع الأطراف لضمان حقوق المرأة في أي اتفاق مستقبليّ. ويواصلن الدعوة إلى مشاركة المرأة الهادفة في العملية بحدّ أدنى قدره 40 في المئة في الوفود. وممّا يشجعني أنّ مجموعة حقوق المرأة قد اكتسبت قبولًا أوسع وأنّ بعض مطالب النساء قد تم تضمينها في الاتفاق الإطاري.

في الأشهر الماضية، بذلت الآلية الثلاثية جهوداً حثيثة لتشجيع أصحاب المصلحة السودانيين على المشاركة في العملية السياسية. ويشمل ذلك اجتماعات مع لجان المقاومة والجهات الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني. في منتصف نوفمبر، زارت الآليّة الثلاثية كسلا للاستماع إلى مختلف أصحاب المصلحة هناك – المسؤولين الرسميين والمجتمع المدني والنساء والشباب وزعماء القبائل – من شرق السودان – ويمكن القول إنّها أكثر مناطق السودان تهميشاً والأقل تمثيلاً. في الأسبوع الماضي، سافرت الآليّة الثلاثية إلى جوبا للاجتماع بقائد الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، الحلو وقائد جيش تحرير السودان عبد الواحد النور لإبلاغهما بالعملية السياسية والاستماع إلى آرائهما.

في حين يمثّل توقيع الاتفاق الإطاري إنجازاً مهماً، إلاّ أنّ القضايا الخلافية الحاسمة لا تزال بحاجة إلى المعالجة في الاتفاق النهائي. وتشمل هذه إصلاح قطاع الأمن ودمج القوات والعدالة الانتقالية وتنفيذ اتفاق جوبا للسلام ووضع لجنة التفكيك والشرق.

كما نرى أنّه من المفيد إجراء تبادل، في هذه المرحلة الثانية، حول الأولويات الاقتصادية والتنموية للحكومة الجديدة. وقد بدأت يونيتامس وفريق الأمم المتحدة القطري بالفعل بالتنسيق مع المجتمع الدولي على الأرض هنا لضمان “حزمة” من الدعم لمرحلة انتقالية جديدة.

في حين أنّ التقدم المحرز على المسار السياسي مشجع، إلا أنّه ما زال من الممكن أن يحيد عن مساره بسبب التحديات والمفسدين. مع اقتراب السودان من التوصل إلى اتفاق سياسي نهائي، فإن أولئك الذين لا يرون دعماً لمصالحهم من خلال تسوية سياسية قد يصعّدون محاولات تقويض العملية. يمكن لعملية شاملة بما فيه الكفاية أن تساعد في الحماية من تأثيرهم. ثمّة حاجة أيضاً إلى المناصرة المتضافرة من المجتمع الدولي لتشجيع مواقف بناءة من قبل أولئك الذين ليسوا أو لا يريدون أن يكونوا جزءاً من العملية، أو لا يريدون أن يكونوا جزءاً من العملية بعد.

في الختام ، إسمحوا لي مجدداً أن أشيد بأولئك السودانيين الذين اتخذوا الخطوة الشجاعة بالموافقة على الاتفاق السياسي الإطاري والتوقيع عليه منذ يومين. لقد كانت هذه عملية ذات ملكية وقيادة سودانية بالفعل. يوفّر الاتفاق الإطاري الآن سبيلاً لتحقيق تطلّعات شباب السودان، نساءً ورجالاً. ولكن بالعمل معاً كأمم المتحدة مع أعضاء مجلس الأمن المحترمين والمجتمع الدولي الأوسع لدعم هذه الجهود، يمكن مساعدة السودانيين على المضي قدماً على المسار الذي اختاروه.

شكرا جزيلاً لكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى