أخبارثقافةحوارات

عازف الأورغ «ياسر القصاص» يفتح صندوق الأسرار.. «مصطفى سيد أحمد» وأيام الدوحة «3-4»

ياسر القصاص، مبدع وموسيقي، وصاحب شخصية قوية جريئة لا ينقصها التواضع. من أسرة فنية استوطنها الفن باكراً، فتشكلت موهبته باكراً ونمت في بلاد الاغتراب في الدوحة عاصمة دولة قطر. عمل مع عدد من الفنانين الكبار، غير ان تجربته مع الفنان الراحل مصطفي سيد أحمد، أعادت تقديمه للناس بشكل فريد ومؤثر. إلتقيناه عبر هذه المساحة لنستعرض بعضاً من سيرته وأيامه في الدوحة، وعلاقته ومرافقته لمصطفي سيد احمد.

التغيير: حوار: عبدالله برير

ما هي تفاصيل حياة فرقة الدوحة سابقا وحاليا؟

دفع الله ترامبيت، معلم في موسيقى الجيش في الدوحة وعمل سابقا في سلاح الموسيقى في السودان، أيام قطر كان في عالم (المارشات العسكرية) صباحا، وفي المساء مع بروفات مصطفى سيد أحمد، كان دفع الله أستاذا بالنسبة لنا جميعا.

محمد بلاش، عازف الجيتار تعلمه في الدوحة وهو ذلك الشاب الذي كان يظهر وقتذاك مبتسما في فيديوهات حفلة فندق رمادا، حاليا لديه محل اسبيرات في مدينة الخرطوم بحري.

أما عبدالماجد مكي (ماجد بيز) حاليا مشرف إداري في شركة بترول صينية، أيام الدوحة كان محققا برفقة مدني النخلي في مجال المباحث والتحريات، وهو متأثر بموسيقى “الريغي”.

الأستاذ محمد ادم المنصوري حضر للدوحة وقتذاك معلما للموسيقى في التربية المسرحية، بدايات الإنقاذ اضطر الكثير من السودانيين للهجرة وكان دفع الله منهم، وهو موجدود بالدوحة حتى اليوم.

عبدالمنعم الفكي، عازف الأيقاع كان يتفوق علينا جميعا بحفظ نصوص الأغاني بسرعة كبيرة وكان يشتغل الميلودي بالإيقاع وكان ملازما للراحل “مصطفى” في شقة واحدة وشخص مقرب لنفسه كثيرا.

النور الخالدي كان يعمل في منزل وزير الداخلية القطري وكنا جميعا نجد صعوبات في التوفيق بين البروفات والعمل، النور مثلا كان يحضر بروفتين فقط في الاسبوع لأسباب ضغط العمل، كانت هنالك مخاطرات في التنسيق ولكن كنا نجد السلوى في مصطفى ومشروعه.

عبدالمنعم الفكي، عازف الأيقاع كان يتفوق علينا جميعا بحفظ نصوص الأغاني بسرعة كبيرة

أحكي لنا عن أبرز ذكرياتك مع الفرقة والنقاشات أثناء البروفات؟

أحيانا كان يحدث ملل بسبب إصرار “المنصوري” على أن تكون الأعمال بالنوتة الموسيقية، وكانت الأغنية تستغرق 4 ساعات بدلا عن ساعة واحدا فحدث نوع من التوتر بين دفع الله والمنصوري وكان مصطفى يتدخل بحكمة لتهدئة الوضع.

في حفل رمادا في أغنية (نورا) كانت الوصلة الموسيقية للساكسفون خارج الزمن الموسيقي بسبب التوتر واختلفت مع الإيقاع لكن دفع الله عالج الوضع بآلة الترامبيت.

على ذكر التوتر، هل شعرتم بأن بعض الحفلات كان وراء ضعف الصوت فيها جهات قصدت التخريب؟

في حفل 1994 منذ الصباح الباكر وحتى المساء راجعنا توصيلات الصوت وكانت مكتملة بنسبة مئة بالمئة ومصطفى أشرف بنفسه على وزن جميع الألات الموسيقية لنتفاجأ قبل الحفل بتخريب هندسة الصوت، مصطفى رفض قيام الحفل وكان الجمهور قد ملأ القاعة ومصطفى في النهاية انحاز لجمهوره وعاد للمسرح بعد أن أنقذنا عماد الجاك في الزمن الحرج وأحضر أجهزة صوت.

أذكر أيضا أن فريق الموردة حضر للدوحة وشارك في بطولة ودية وحقق نتائج باهرة أمام الأندية القطرية بدون توفر إمكانيات، جاء إداريو النادي لمصطفى طلبا للدعم والأخير نظم لهم حفلا يعود ريعه للنادي، سرت إشاعة قبل الحفل بأنه تم إلغاؤه وبالفعل عاد بعض الناس لمنازلهم وكنا في باب القاعة نعيد الجمهور للحفل ونطمئنهم بأنه قائم.

مثال أخر على التخريب المتعمد في حفل الـ “شيراتون” الصوت كان جيدا في الصالة لكن صوت البيز جيتار كان عاليا جدا وطاغيا لدرجة أن العازف نفسه لم يكن سامعا لبقية الالات.

ياسر القصاص مع محرر التغيير

طلبت من “مصطفى” جمع الأفكار اللحنية في أستوديو بمسار مختلف لكل فكرة لحفظها

هل كانت هنالك خطوات جادة لتقنين الأفكار اللحنية خشية عدم ضياعها؟

على سبيل المثال إغنية (سيناريو اليابسة) من كلمات الشاعر عاطف خيري، بدأنا تنفيذها على آلة البيانو كآلة أساسية، وكانت الفرقة الموسيقية بمثابة خلفية وتم تسجيل العمل، ولكن للأسف لاحقا لم نحصل على التسجيل حتى الآن، طلبت من “مصطفى” جمع الأفكار اللحنية في أستوديو بمسار مختلف لكل فكرة لحفظها من مختلف الظروف، وقال لي البعض يومها بأنني جرحت شعور “مصطفى” ولمحت له بالموت، فقلت لهم بأننا كلنا ميتون والأولى حفظ الأعمال وبالفعل حدث ما كنا نخشاه ولم نجد شيئا من تسجيلاته.

إلى إي نوع من الموسيقى كان يميل “مصطفى” في استماعه؟

في كل الأوقات التي كان مصطفى سيد أحمد يستمع فيها للموسيقى كان حريصا على الاستماع إلى نيل ديموند ورافي شنكر، الأخير اغتالوه في أمريكا بطلق ناري في المسرح، كان “شنكر” بمثابة عدو لموسيقيي البلو والروك الذين خافوا من إحداثه لثورة موسيقية تطيح بالموجودة، حفلاته كانت عبارة عن علاج روحاني.

عازف الأورغ ياسر القصاص

هل كان يستمع إلي فنان سوداني محدد؟

كان يقول إن أغنية الحقيبة ستظل خالدة وأنها لن تتأثر وستكون مسيطرة على كل الأجيال، الحقيبة كانت مؤثرة جدا على مصطفى سيد أحمد، لم يكن معجبا بفنان محدد ولكن كان يأخذ من كل مطرب شيئا محددا أو أشياء تعجبه، عندما سأله عبدالمنعم الفكي عن أغنية تمناها لنفسه أجاب بـ(صحو الذكرى المنسية) للنور الجيلاني.

على ذكر عبدالمنعم الفكي، ماذا تذكر من تفاصيل ملازمته لمصطفى؟

“مصطفى” غيّر كثيراً في شخصية عبدالمنعم الفكي، لكن الإثنين كانا مكملين لبعضهما البعض، “منعم” كان في البدايات يجد صعوبة في التوفيق بين البروفات والاستيقاظ مبكرا للعمل، وكان “مصطفى” يداعبه (قوم أصحى ولا بضربك بالعصاية دي) وكانت العلاقة جميلة بينهما.

كان يخص لحميد (درج كامل) وكان يحكي عن أن “حميد” شخص زاهد وكان يحبه جداً

من من الشعراء كان أقرب إلى مصطفى؟

محمد الحسن سالم حميد، مصطفى كان يقول عن الأخير أن لديه شيطان شعر، كان مصطفى يحتفظ بأعمال الشعراء ليقوم بتلحينها وكانت مبعثرة ولكن كان يخص لحميد (درج كامل) وكان يحكي عن أن “حميد” شخص زاهد وكان يحبه جدا.

هل كان مصطفى سيد أحمد شيوعيا بصريح العبارة؟

كان مؤمنا تماما بالاشتراكية ومعجبا بالاتحاد السوفيتي وقتذاك، كان يقول بأن الحياة عبارة عن شراكة وظل مطبقا لهذه المقولة في حياته.

كيف كان يتواصل مع أسرتيه الصغيرة والكبيرة في ظل ظروف المرض والغربة؟

زوجته وأبناؤه كانوا في مصر، كان يحب أخواته لدرجة المبالغة وينزعج جدا إذا مرضت إحداهن ويقوم بتسجيل صوته على أشرطة الكاسيت ليؤانس والدته وإخواته، زوجته بثينة حضرت للدوحة في بدايات أيام زوجها بالدوحة، كانت كفيفة البصر ودائما ما تستعين بي في المطبخ بحكم أنني الأصغر، حينما كنت أساعدها في المطبخ كنت أجد يديها وقد بدا عليهما أثر الحروق والتسلخات ذلك لأنها كانت كفيفة ومع ذلك تصر على إعداد أشهى الأطباق للضيوف مع التعرض للسعات النار وحرارة الفرن.

هل من وجبات محددة كان مصطفى حريصا على تناولها في الدوحة؟

كان يحرص على أن يطبخ بنفسه، أذكر أن إحدى المعجبات اتصلت لتسمع صوت “مصطفى” وتسلم عليه فأخبرناها بأنه في المطبخ يقوم بتقطيع البصل فكالتنا سبا وشتما لطيفا (يا سجم يا رماد كيف ده فنان ؟). “مصطفى” كان يحب أن يأكل الناس من طبيخه ويعلق بقفشات “الليلة عملت ليكم ملاح يقدل فيه السوسيو “فرخ الدجاجة الصفير “.

“مصطفى” حذرنا نهائيا من التحدث مع ضيوفه بهذا الخصوص

في تقديرك ما هو أكثر ما كان مزعجا في تعامل البعض في الدوحة مع الوضع الصحي لمصطفى؟

كلما عاد “مصطفى” من غسيل الكلى كان يحتاج إلى 4 ساعات للراحة وبعدها يجب أن يتناول مكملات علاجية وغذائية، قبل أن يضطجع جيدا على فراشه عائدا من المشفى، كنا نسمع خبطا على باب الشقة لنتفاجأ بأنه ضيف عابر ليقوم “مصطفى” بتحيته واقفا، وكان من عادته ألا يستقبل ضيفه راقدا على سريره أو جالسا وما زال الدم لم يجف من (الفراشة) على يده، يفاجئه المعجب بطلب أغنيات ويتناقش معه فيها ونحن في غاية الغضب بسبب الوضع الصحي، لكن “مصطفى” حذرنا نهائيا من التحدث مع ضيوفه بهذا الخصوص.

ماذا عن تعامل “مصطفى” مع بقية الفنانين الكبار وحتى الشباب؟

“مصطفى” كان نقطة التقاء لجميع الفنانين السودانيين المناضلين، سواء كان في فترته بالقاهرة او الدوحة أو حتى ليبيا، حاول دائما أن يلم الناس، كان له علاقة خاصة مع “وردي” و”الموصلي” و”سيف الجامعة” و”عبدالمنعم الخالدي” أيام التجمع الديمقراطي بالقاهرة.

أذكر أنه حكي لي عن أيامه بالسودان التي قابل فيها الفنان جلال الصحافة، وأنه كان معجبا بصوت “جلال” ورأى فيه مستقبل باهرا ومنحه بعض الأغاني، غير أن الأخير لم يغنها وحينما سأله” مصطفى” عنها قال: والله يا أستاذ غناك سمح وما فيه كلام لكن انا إذا غنيته يوم الخميس ما بدخل السينما، بمعنى أنه غناء مشروع وليس غناء حفلات يدر الدخل.

صوت “مصطفى” كان مميزا وقدرته اللحنية في رأيي كانت استثنائية

على ذكر “وردي”، كيف كانت العلاقة بينهما؟

كانت علاقة يسودها الإحترام وكان “مصطفى” معجبا جدا بـ “وردي” وقال إن الأخير لديه خامة صوتية متفردة، جمعت بينهما أيام القاهرة وكاسيت الحزن النبيل وطفل العالم الثالث وكان “وردي” حريصا على الاتصال بمصطفى من الولايات المتحدة ليطمئن على وضعه الصحي في الدوحة ومشروعه الغنائي.

من ذكريات مصطفى ووردي في القاهرة كان أن حضر الشاعر الدكتور بشرى الفاضل، لمصر وطلب من وردي تلحين أغنية (حلوة عينيك) فقال له إن القصيدة صعبة التلحين وبعد سنوات التقى الثنائي في القاهرة مجددا ليخبر “الفاضل” صديقه محمد وردي بأن القصيدة تم تلحينها ولم يتفاجأ وردي وقال لبشري: مافي شخص بكون لحنها غير مصطفى سيد أحمد، صوت “مصطفى” كان مميزا وقدرته اللحنية في رأيي كانت استثنائية، كان يتميز بالاعتزاز في الصوت لتشعر بأن صوته عبارة عن أمواج، ما ميزه أن يخرج الصوت من بطنه وكانت عضلات بطنه أقوى عضلات في جسده.

مصطفى” لم يكن راضيا على ألبوم البت الحديقة

كيف كان ينظر “مصطفى” لشراكته مع “الموصلي” في الحزن النبيل والبت الحديثة وطفل العالم الثالث؟

علاقة مصطفى والموصلي كانت أسرية في المقام الأول، للأمانة “مصطفى” لم يكن راضيا على ألبوم البت الحديقة الذي أشرف عليه يوسف الموصلي ليس لعيب في عمل يوسف لكن السبب أن الشريط كان موقعا بالعود وأخذه يوسف للقاهرة وأضاف عليه القوالب الموسيقية بعكس كاسيت الحزن النبيل الذي كان “مصطفى” حاضرا فيه بالحذف والإضافة والعمل الجماعي مع الموصلي ومحمد وردي.

نواصل في الجزء التالي

عازف الأورغ «ياسر القصاص» يفتح صندوق الأسرار.. «مصطفى سيد أحمد» وأيام الدوحة «2-4»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى