أخبارأعمدة ومقالات

جذرية الفكر والمواقف لدى الأستاذ محمود محمد طه

بثينة تروس

جذرية الفكر والمواقف لدى الأستاذ محمود محمد طه

بثينة تروس

تحل بيننا هذه الأيام الذكري الثامنة والثلاثين لاستشهاد الأستاذ محمود محمد طه، والذي تاَمر على اغتياله الإخوان المسلمون، ورجال الدين، والفقهاء، الذين اتهموه بالردة، متماهين مع سلطة نميري التي حاكمته بتهمة إثارة الكراهية ضد الدولة. وشمل التآمر دول المحاور التي سخرت إمكانياتها المالية والإعلامية من خلال مؤسساتها الدينية: الأزهر في مصر، ورابطة العالم الإسلامي في السعودية، للتخلص منه.

في تقديري الشخصي، لو أن الأستاذ محمود لم يكن جذرياً متسقاً مع فكره وقوله وإرادة التغيير لرفع الوعي الإنساني من وهاد الجهل والرجعية، لأصبح في عداد المتنطعين الإسلامويين ذائعي الصيت، الذين تفسح لهم المجالات ووسائل الإعلام، لكن شجاعة الحق والتزام المبدأ لم تبق له نصيراً.

التزم الأستاذ محمود جانب الشعب ينصره طوال حياته، لم ينحز إلى حكومة أو معارضة لا تخدم مصلحته. في الوقت الذي تكالب فيه أصحاب المصالح والأغراض على الشعب، يضللونه باسم الدين، ويستغلونه من أجل استمرار مصالحهم ودوران عجلة الفشل في الدولة. ثم إنه كان يتقدم حتى تلاميذه، فما دخلوا سجناً إلا وكان أولهم. وما عقدت لهم محاكمة، إلا وكان أمامهم.

ولما جاء يوم الفداء العظيم، تحمل المسؤولية، وقام بذلك برضا تام، كشفت عنه ابتسامته الناصعة أمام حبل المشنقة. ليس كما يفعل قادة الأحزاب الأخرى، من الذين يرسلون أتباعهم إلى أرض المعارك، ثم يأتون لاستلام السلطة على جثثهم.

كما أن سطوته الفكرية لم تقيده بقيود السياسة: “أسيت للشعب السوداني، فإنه شعب بلا قادة، إو قل إنه شعب عملاق يتقدمه أقزام” 1977. وحين شوهت الشؤون الدينية فكرته، قال: “الشعب السوداني شعب أصيل، لكن تنقصه المعلومات”. كان سباقاً في نقد وفضح أدعياء الدين بثبات مواقفه، وقد ذكر: “سوف يأتي يوم توضع على باب الأزهر خشبة مكتوب عليها: هنا كان يدرس الجهل”.

وفي ثورته التنويرية، كتب، وحاضر، وأقام المنابر الحرة. واسس لثورة فكرية، بتقديم الإسلام في قالب علمي يخاطب العقول. بعد أن تمرّست الطائفية وأذيالها في سوق الشعب ضد مصلحته. تلك الثورة لم تكن حكراً على النخب، بل كانت جذورها ضاربة في شوارع ومدن وقرى وأرياف البلاد، تخاطب عقول وقلوب بسطائها.

حذر من تآمر الإسلاميين: “خيانة الإخوان المسلمين، وكذبهم، وسوء خلقهم، وقلة دينهم، ستتضّح لشعبنا بصورة جلية، عمّا قريب. ويومها سيتم العزل التام، عزل الإخوان المسلمين عن هذه الدعوة الدينية التي يتشدقون بها، وسيطّهر الإسلام مما يلصقونه به من تشويه، ومن شوائب” 1979.

والنسب الثوري بين أكتوبر وديسمبر المجيدتين، أنهما صنيعتا الشعب بدون قيادات حزبية، طالبتا بالعدالة والتطهير السياسي. وقد راهن الأستاذ محمود على ظهور هذا الجيل الديسمبري التواق للحرية والانعتاق من ربقة الجهل المتوارث: “الشعب السوداني خذلانه جاي من قياداته مش منو هو، والشعب السوداني دلل على المسألة دي، لأنه انتصر في ثورة أكتوبر بدون زعامات، ولو كانت فيه زعامات، ثورة أكتوبر ما كانت تقوم”.

ثم تحدث عن العدالة: “أنا متأكد من حاجة، إنه راح يجي وقت للشعب دا ليحاسب الناس، ما تتصوروا إنه مسألة التطهير في ثورة أكتوبر كانت عبث. ما تمت، لكن كانت تمني الشعب. بتجي المرحلة البيمكن التطهير فيها، ويكون نافذ. لأن الشعب في الوقت داك بيكون أقوى من ما كان هسع”.

من أوضح ملامح جذريته الفكرية في أمر هوية السودان وأفريقيته وتعدد شعوبه، لم ينادِ بالحكومة الدينية، لأنها تقوم على العقيدة التي تفرق ولا تجمع. لكنه تحدث عن فكرة الدستور الإنساني الذي يقوم على أصول دين الفطرة، وهو دستور يتسامى على العقائد الدينية، ويجد فيه جميع السودانيين تطلعاتهم في الحياة الكريمة. ولكي يتم ذلك، لابد من أن يساهموا في وضعه بأنفسهم، ليعبر عنهم، وعن أشواقهم.

وبالتالي، نادى بقيام حكومة ديموقراطية اشتراكية فيدرالية. وعارض سابقة تعديل مادة أساسية من مواد الدستور، فصل بموجبها أعضاء الحزب الشيوعي المنتخبين من البرلمان. ومحاولات الإخوان المسلمين والأحزاب الطائفية في وضع دستور يلتحف قداسة الدين، أسماه الدستور الإسلامي المزيف.

والشاهد أن تجذر فكرة الوحدة الوطنية عند الأستاذ محمود قادته إلى سجون المستعمر الإنجليزي، حينما عارض قرارات المجلس الاستشاري لشمال السودان، الساعية لفصل الجنوب في يونيو 1946. ومجدداً، في ظل قوانين سبتمبر 1983 التي وصفها بأنها شوهت الإسلام، وهددت وحدة البلاد.

أما قضية المرأة، فهي من أبرز المعالجات الجذرية لدى الأستاذ محمود، بطرحه تطوير التشريع الذي فيه تحقيق لكرامة المرأة، ويواكب ما حققته من مكاسب وحقوق، وذلك لاستناده على القران المكي، أصول الإسلام. بعكس نصوص الشريعة الإسلامية التي فيها تمييز ذكوري سلطوي، يتكئ على نصوص القوامة التي تجعل الرجال أوصياء على النساء، مهما بلغن من التقدم والتطور..

وقد طرح الأستاذ أمر الحجاب بأنه ليس أصلاً في الإسلام، وإنما الأصل هو السفور (أي الخروج بالزي المحتشم). وكذلك تحدث عن أن تعدد الزوجات ليس أصلاً في الإسلام، كما أن الطلاق والعصمة حق للمرأة، كما هي حق للرجل.

كل هذه القيم الرفيعة التي نادى بها منذ ستينيات القرن الماضي، أصبحت الآن حجر الزاوية الذي أباه البناؤون، وجاءوا يبحثون عنه بلا هدى، ولا كتاب منير.

فجميع الدول الإسلامية تستند في الأحوال الشخصية على الشريعة الإسلامية، وتظهر مفارقتها بين ما عليه واقع المرأة المتقدم، وتلك القوانين الرجعية..

وفي المشروع التجديدي والفهم العصري للإسلام، عمل الأستاذ محمود على فك التعارض الواضح للعيان بين النصوص القرآنية، والتفاسير الفقهية، بتحرير عقول الأفراد. فقدم الحل الذي يتناسب وحاجتهم للحياة الكريمة، وذلك بالانتقال من نصوص فرعية في القران المدني خدمت احتياجات مجتمع القرن السابع، إلى أصلية في القرآن المكي، تملك الحلول لمشكلات البشرية المعاصرة، وهو ما أسماه بـ (الرسالة الثانية من الإسلام)، حيث حرية الاعتقاد، وحرية الرأي، والمساواة الاقتصادية والاجتماعية، وأن (الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين)، حيث جزم بعدم إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية كنظام حكم، وذلك لقصورها عن حل مشاكل البشرية، وإنجاب الأفراد الأحرار.

لقد لخصت كلمته أمام المحكمة جذريته في الانتماء للشعب: “فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها، غير مؤهلين فنياً، وضعفوا أخلاقياً عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب، وتشويه الإسلام، وإهانة الفكر والمفكرين، وإذلال المعارضين السياسيين. ومن أجل ذلك، فإنني غير مستعد للتعاون مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب، وإهانة الفكر الحر، والتنكيل بالمعارضين السياسيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى