أخبارثقافةحوارات

عازف الأورغ «ياسر القصاص» يفتح صندوق الأسرار.. «مصطفى سيد أحمد» وأيام الدوحة «4-4»

ياسر القصاص، مبدع وموسيقي، وصاحب شخصية قوية جريئة لا ينقصها التواضع. من أسرة فنية استوطنها الفن باكراً، فتشكلت موهبته باكراً ونمت في بلاد الاغتراب في الدوحة عاصمة دولة قطر. عمل مع عدد من الفنانين الكبار، غير ان تجربته مع الفنان الراحل مصطفي سيد أحمد، أعادت تقديمه للناس بشكل فريد ومؤثر. إلتقيناه عبر هذه المساحة لنستعرض بعضاً من سيرته وأيامه في الدوحة، وعلاقته ومرافقته لمصطفي سيد احمد.

التغيير: حوار: عبدالله برير

أحاديث كثيرة راجت بشأن التكلفة المالية لعلاج مصطفى بالدوحة، أي الروايات أصح؟

بحسب رواية “مصطفى” نفسه قام رجل الأعمال المعروف صلاح إدريس، بارسال مبلغ مالي للمساهمة في العلاج عن طريق الشاعر مدني النخلي، ولكن “مصطفى” رفض المبلغ وطالب بارجاعه.

صلاح إدريس، أرسل مبلغ مالي للمساهمة في العلاج عن طريق الشاعر مدني النخلي، ولكن “مصطفى” رفض

كيف تمت تغطية تكلفة الغسيل الإسبوعي والعلاجات والعملية والاقامة؟

الفنان الراحل محمد وردي، قدم مساهمات معتبرة في علاج “مصطفى” وكانت بقية التكاليف تغطى من عائد الحفلات بعد خصم تكلفة التنظيم، حفل العام 1995 مثلاً بعد تصفية ريعه بالكاد غطى مصاريف سنة 1993 من علاجات وغسيل وتجديد إقامة.

ما هو دور وزارة الثقافة القطرية وقتذاك؟

وزارة الثقافة القطرية لعبت دوراً مهماً على الرغم من أن جواز “مصطفى” كان محجوزا لدى السلطات بسبب عدم سداد تكاليف تجديد الإقامة التي انتهت صلاحيتها مصادفة يوم خروج جثمانه من قطر.

حضر أحد الأشخاص للغرفة وقام بزيادة التكييف رغم خطورته على المريض وحاول العبث ببعض الأجهزة

هل وصلته “عروض” من حكومة السودان للمساهمة في علاجه؟

على العكس تماما في مستشفى حمد، حضر أحد الأشخاص للغرفة وقام بزيادة التكييف رغم خطورته على المريض وحاول العبث ببعض الأجهزة وكان “مصطفى” لا يقوى على الحراك وقتها، وقال يومها: دي محاولة تصفية لي، حكومة الانقاذ في السودان عرضت عليه تكفلها بالعلاج الكامل في المانيا وزراعة كلية مقابل حفل غنائي في استاد الهلال أو المريخ احتفالا بعيد الثورة ولكنه رفض.

هل كان “مصطفى” يرى أن هناك نظرية مؤامرة في مسألة تعثر علاجه؟

لا اعتقد أن موضوع زراعة الكلية ورفضها من قبل جسمه لاحقا فيه نوع من التقصير الطبي أو المؤامرة، “مصطفى” كان يعتقد بأن الطبيب الذي تابع معه بالقاهرة بعد زراعة الكلية في موسكو كان يعطيه أدوية خاطئة، وأنه كان من المفترض أن يعود إلى موسكو للمتابعة مع الاطباء الروس هناك لكن إنهيار الإتحاد السوفيتي وقتذاك حال دون ذلك لتتسبب الكلية بتسمم في الجسم وتفشل الزراعة وفي نهاية الأمر تُستأصل.

مصطفى سيد أحمد وزوجته بثينة نصر في موسكو

ألم يساهم عائد اشرطة الكاسيت في تكاليف علاجه وإقامته؟

ليس كثيراً على أيام حياته، الأشرطة كانت تغطي جزء يسير من العلاج والإقامة، بعد وفاته أقنع البعض زوجته بثينة بضرورة تعديل كاسيت حفلات الدوحة لأن الفرقة لم تؤدها جيداً أو لأن هندسة الصوت لم تكن احترافية، وبالفعل مُنحت الأشرطة لشركة حصاد ثم عدّل فيها الفنان خالد الصحافة، وكانت مشوهة وصوت الجمهور كان طاغياً على صوت الفنان والموسيقى.

ماذا حدث بعد ذلك؟

عدت للسودان وأسسنا كيانا باسم (مصطفى فينا كلنا) مع شريف شرحبيل وحامد ساكس، في “سودانيز ساوند كلاود” ومجموعة موسيقيين آخرين مثل فرقة ساورا وايقاع البالمبو وسجلنا بعض أعمال “مصطفى” بالموسيقى وتبنى العمل كابتن وداعة، وهو صديق لمصطفى سيد أحمد، واتفقنا أن يعود ريع المشروع لأولاده ومنحنا الفنان الراحل محمود عبدالعزيز، بعض الأعمال ليغنيها مثل: لمحتك وحاجة فيك وحلوة عينيك وواضحة، ولم نعرف بعد ذلك ماذا فعل بها محمود رحمه الله. لكن مشروعنا يكتمل بسبب رفض بعض الشعراء والملحنين أمثال صلاح حاج سعيد والراحل بدر الدين عجاج، ربما رأى البعض أنني أريد أن أتسلق على أمجاد مصطفى.

زوجته قالت إن أحد الأشخاص اتصل بها من الدوحة قبل 3 سنوات من الآن واخبرها أن الحقيبة التي بها الأغاني بحوزته

أين ذهبت الأعمال والأفكار اللحنية في الدوحة بعد وفاته؟

المكتبة الصوتية التي كانت موجودة في منزله بالدوحة فُقدت بعد أن كُسرت الشقة لحظة إعلان خبر وفاته، بينما كان البعض في المستشفى،
بثينة زوجته قالت إن أحد الأشخاص اتصل بها من الدوحة قبل 3 سنوات من الآن واخبرها أن الحقيبة التي بها الأغاني بحوزته وأنه اخذها حفاظاً عليها وعلى الإرث الفني، لكن بطبيعة الحال وبعد ربع قرن من الزمان ستكون هذه التسجيلات قد تعرضت للتلف بسبب عوامل الطقس.

لماذا لم تتابع أنت شخصيا مع محمود عبد العزيز هذه الأعمال ولاذا اُختير محمود تحديداً؟

ظروف الحياة وتعنت الشعراء والملحنين وقف حائلا بيننا، ما لا يعلمه الكثيرون أن شركة عالمية اسمها (تذكار) طلبت من “مصطفى” إختيار فنان شاب من السودان ليقيم معه حفلا في الدوحة وعدد من المدن العالمية واختار “مصطفى” الفنان محمود وسط دهشة الكثيرين، ما شعرت به أن “مصطفى” شعر بأنه صار مدرسة ووجب عليه تقديم العون للفنانين الشباب، كان يريد أن يمنحه أغانٍ تناسبه ويغيّر في مشروع محمود عبدالعزيز الفني بالاستفادة من الشعبية والجمهور لمخاطبة الجيل عبره، وبالفعل جاء “محمود” للدوحة وقبلها توفي “مصطفى”، أقام محمود عبدالعزيز، حفله ووقف في المسرح حداداً على “مصطفى” وبدأ بالحزن النبيل.

الراحلين مصطفى ومحمود

شركة عالمية طلبت من “مصطفى” إختيار فنان شاب ليقيم معه حفلا فاختار محمود عبدالعزيز وسط دهشة الكثيرين

كيف كان الراحل يتعامل مع الإعلام؟

كان يعلم علم اليقين بأنه محارب وتطارده الشائعات من قبل صحفيي النظام، ومع ذلك كما تعلم خرج في العديد من الحوارات المسموعة والمقروءة والمرئية في السودان، وفي قطر في العام 1995 في حفل رمادا أجرت معه إحدى الاذاعات حواراً مطولا بين الفاصل اعتقد انها اذاعة بي بي سي.

لماذا يوصف جمهور قطر بأنه بارد بعض الشي في حفلات مصطفى مقارنة مع الجالية السودانية في ليبيا ومصر؟

بحكم وجودي في الدوحة لسنوات استطيع القول نظريا أن السوداني في قطر يتسم ببعض البرود ويتعامل مع الجمال بتفاعل داخلي، رغم شهرة أغاني “مصطفى” المسموعة إلا أنه تغنى ببعض الأعمال الجديدة في الدوحة وكلماتها كانت جديدة عليهم وتم توزيع أوراق بنصوص الاغاني.

مصطفى سيد أحمد

الحفلات عند “مصطفى” لم تكن غاية بل وسيلة لإكمال مشروعه

هل كان جمود الألحان وعدم صلاحية معظمها للرقص أحد الأسباب وراء قلة التفاعل؟

معيار الرقص مختلف، الحفلات عند “مصطفى” لم تكن غاية بل وسيلة لإكمال مشروعه الذي بدأه في السودان بمعاناة وجلسات استماع ومحاربة من قبل النظام، الرقص لم يكن مبتغاه وإنما كان يرتكز على الكلمة والقيمة الانسانية والوجودية.

كيف تتعاملون مع النقد الفني بخصوص المقارنة بين فرقة السودان وفرقة الدوحة؟

أنا على المستوى الشخصي كنت ضد فكرة تلحين “مصطفى” لجميع أعماله بنفسه، مهما كان المؤلف حاذقا فالبصمة الواحدة في الألحان ستكون موجودا وبعض اللزمات الموسيقية مكررة في الكثير من اعماله، فرقة السودان توفرت لها جميع مقومات النجاح أو معظمها، وهي فرقة محترمة قامت بأعمال خالدة في وجدان الشعب وأمتعت السودانيين بالداخل والخارج ونعتبرهم أساتذة بالنسبة لنا، فرقتنا في الدوحة عانت من تحدي نقص بعض الآلات مثل الفلاوت والكمنجات بالإضافة للظرف الصحي لمصطفى وعدم تفرغ العازفين، لكن استطعنا ايضا أن نؤدي أعماله القديمة وفق امكانياتنا ونفذنا اعمالاً جديدة مختلفة مثل ملحمة (مريم الأخرى).

لم أحضر لحظات الوفاة، وكنت محظوظ في ذلك لهذا السبب!!

ننتقل إلى الجزء الأكثر حزناً وهو المتعلق بتفاصيل وفاته؟

لم أكن حاضرا لحظات الوفاة، لكن قبل ذلك ليلا أتفق معي على أن نذهب للتسوق في اليوم التالي، لم أجد الوقت الكافي لحضور حفلاتنا على الفيديو بسبب العمل والبروفات، في ذلك اليوم وجدت فرصة لحضورها وكنت أشاهد حفل الشيراتون وأول اغنية كانت (طيبة) وقبلها اتصل بي عبدالجليل، وهو صديق “مصطفى” وكان يعمل مديراً مالياً لقناة الجزيرة وسألني عن صحة الأستاذ وكانا مختلفين وقتها، اتصل بي وقال لي: “نحن في المستشفي يا ياسر ومصطفى مات!”.

كيف كان أثر الصدمة عليك؟

اُصبت بحالة لا أستطيع وصفها ولم استوعب ما حدث وتعرضت للاغماء وحاول الجيران الإتصال بالاسعاف غير أنني تماسكت قليلاً كما حكوا لي الحادثة، وأغلقت باب الغرفة وأكملت الإستماع إلى الحفل ودخلت في عزلة.

ما هي الأسباب الحقيقية للوفاة؟

مصطفى توفاه الله بعد 17 يوما من حفل الواحة الأخير، وأعتقد أنني كنت محظوظا كوني لم احضر اللحظات الأخيرة للوفاة لأن الدكتور عمر عبود، أخبرني أنه إذا كان النبض ضعيف في لحظة من اللحظات ودخل في (كومة) علي أن أعرضه لتيار كهربائي، لو كنت موجودا وفعلت ذلك وتوفى لقال البعض إن “ياسر” قتل “مصطفى”.

هتف المشيعون يومها للفنان ابو عركي البخيت: أمسك الراية بعد مصطفى يا عركي

أيام ثقال عايشتموها بالدوحة ما بين إرسال الجثمان للسودان والتشييع حتى مسقط راسه بود سلفاب بولاية الجزيرة، كيف مرت تلك الأيام؟

القنصلية أخرت التوقيع على إرسال الجثمان بعد أن استشعرت الحكومة السودانية تدافع الجمهور واحتشاده في مطار الخرطوم، مكث جثمانه بالدوحة منذ الأربعاء حتى السبت، ورغم ذلك كان التشييع مهيبا وحضر مئات المعجبين من شتى أصقاع السودان. ورغم تكتم الاعلام الرسمي على التغطية لم تظهر الصور والفيديوهات إلا مؤخرا، وهتف المشيعون يومها للفنان ابو عركي البخيت: أمسك الراية بعد مصطفى يا عركي.

الفنان أبو عركي البخيت

عازف الأورغ «ياسر القصاص» يفتح صندوق الأسرار.. «مصطفى سيد أحمد» وأيام الدوحة «3-4»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى