أخبارأعمدة ومقالات

قضايا منسِيّة: علاج الصدمة النفسية (التروما)

محمد عبد الرحمن الناير (بوتشر)

قضايا منسِيّة: علاج الصدمة النفسية (التروما)

محمد عبد الرحمن الناير (بوتشر)

* إن الصدمة النفسية (التروما) واحدة من القضايا المهمة التي تؤثر على الإنسان أو الجماعات، لا سيما أولئك الذين تعرّضوا لصدمات نفسية فظيعة، فهي لا تتعلق بالمقاتلين فقط بل تشمل المواطنين والصحفيين والمصورين والمتطوعين وكافة المتواجدين في مناطق الحروبات، وكذلك الأسرى والمعتقلين وضحايا الحوادث والتعذيب والتعنيف الأُسري والصدمات العاطفية، وخلافه.

* يعتبر السودان من أكثر دول العالم التي شهدت حروباً طويلة، خلّفت وراءها جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والملايين من الضحايا والمشردين، والآلاف من الذين تعرضوا لصدمات نفسية (تروما) ولم يجدوا العلاج اللازم، والمؤسف أن كل “إتفاقيات السلام” التي تم توقيعها لم تتناول هذه القضية المهمة، ولم تنص على وجوب تأهيل ضحايا الحرب نفسياً عبر برامج ومراكز علاج وتأهيل متخصصة، فإن علاج هؤلاء من آثار الحرب والدمار النفسي الذي تعرضوا له، من الأهمية بمكان، ومن المفترض أن يكون أمر علاجهم من أولى أولويات اتفاقيات السلام جنباً إلى جنب مع قضايا الترتيبات الأمنية والنازحين واللاجئين وتقاسم السلطة والثروة وغيرها من القضايا التي تتناولها، فالسلام وبناء الدولة، المعني به من حيث المبتدأ هو الإنسان، فكيف يتحقق السلام والاستقرار وتُبنى الدولة، وجُل الشعب محطم نفسياً جراء الحرب أو غيرها؟!.

* تختلف أعراض الصدمة النفسية من شخص لآخر حسب طبيعته النفسية وقدرته على التحمل وسرعة نسيان ما تعرض له، فمنهم من تظهر عليه أعراض الصدمة خلال أوقات قريبة وهناك من تظهر عليه بعد سنوات، حيث تسيطر على الشخص المصاب الكوابيس والاضطرابات، والأفكار السلبية عن النفس والآخرين والتشاؤم وانفصام الشخصية والخوف والغضب والعزلة والتفكير في الإنتحار، وإيذاء الآخرين بالأقوال أو الأفعال، وسيطرة الخوف عليه.

* إن كثيراً من الناس يخجلون من وصمة الصدمة النفسية وفقاً لثقافة المجتمع التي تقوم على فكرة خاطئة عن “التروما” فهي ليست جنوناً كما يعتقد البعض، إنما صدمة نفسية يمكن أن يتعرض لها أي إنسان، فمن الخطأ والجهل عدم الاعتراف بهذا الداء والامتناع عن الذهاب لمراكز التأهيل والعلاج.

إذا نظرنا للحروب القبلية والعرقية واستسهال قتل الإنسان لأتفه الأسباب، دون إغفال لمبدأ تورط الجهات الحكومية في كثير منها، وسيادة خطاب الكراهية العرقية والدينية والمناطقية، وتفشي ظاهرة العنصرية والجرائم الدخيلة على مجتمعاتنا، أعتقد أن أغلبها يعود إلى متلازمة الصدمات النفسية وتروما الحرب وسلوك وممارسات السلطات ضد بعض المواطنين والمعارضين والخصوم السياسيين، وما تعرضوا له من ظلم وتعذيب وانتهاكات في السجون والمعتقلات، أو بسبب الإقصاء والعنصرية المتجذرة في كثير من مجتمعاتنا التي ولّدت الغبن والكراهية في نفوس الكثيرين، ولم يجد هؤلاء الاهتمام والعلاج اللازم من متلازمة الصدمات النفسية، فتحولوا إلى دعاة للكراهية والعنصرية عبر منصات السوشيال ميديا وغيرها، فمثل هذه الخطابات النتنة لا يمكن أن تصدر من شخص متزن عقلياً ومتصالح مع ذاته…!!.

* لا شك أن الحروب تترك خسائر سياسية واقتصادية تتأثر بها الدولة ولكن يمكن تعويضها، أما علاج أولئك الذين تعرضوا للصدمات النفسية يحتاجون إلى وقت للتعافي واهتماماً من الدولة والمجتمع ومساعدة فعالة من المجتمع الدولي، وأن تكون هذه القضية من ضمن منظومة السلام الإجتماعي ومعالجة آثار الحرب، التي لم ولن تُعالج عبر الاتفاقيات والتسويات السياسية التي تُوقّع على الورق أمام الشهود الإقليميين والدوليين وكاميرات القنوات والتلفزيونات، التي بموجبها يصبح الموقعون وزراء وولاة، ويظل الشعب يعاني، دون أن ينعم بالسلام والرفاه الموعودين أو يتعالج من آثار الحروب وتداعياتها المدمرة.

20 يناير 2023م

elnairson@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى